فهرس الكتاب
  • 📄

  • 📄
الصفحة 110 من 112

وفي مكان آخر يقدم قاسم حداد رأيًا آخر عن الواقع فيقول: (وكلما أوغلنا في أعماق الواقع، كلما اكتشفنا أعماقًا أكثر غورًا، وما المنجزات الفنية في التقنية والأسلوب والرؤية سوى محاولة ـ قابلة للنجاح والإخفاق ـ للإنسان بهذا الواقع وفهمه وتحليل جوهره ) ويعود عبد الله خليفة للتعليق مرة أخرى فيقول: أي أن للواقع هنا جوهرًا، يمكن الوصول إليه وتحليله، وليس مفهومًا (يتمطط ) ويتشكل حسب التصورات الخاصة، أي أن للواقع وحركته قوانين مستقلة عن مزاجنا ورغاباتنا وتصوراتنا الذاتية، وحين نكتشف تلك القوانين يكون هذا هو العلم.. ومن هنا نجد ـ مما سبق ـ رأيين متناقضين: الأول، عدم قدرتنا على اكتشاف الواقع لأنه ذاتي، والثاني، يمكننا ذلك لأنه جوهر، ولكن الرأي الثاني لا يستمر طويلًا، فسرعان ما يصل إلى تعدد العلم، فبعد تلك العبارات يأتي ليقول: (ومن الطبيعي أن يظل هذا الواقع بحاجة دائمة لوجهات نظر عديدة مختلفة، تسهم في اكتشافه علميًا ) فإننا نعود من جديد إلى العلم الذاتي، لأنه من المستحيل أن تكون هناك أكثر من نظرة علمية للعالم، وتكون كلها صحيحة وعلمية.. إنه تلاعب لغوي.. ومع إزالة مفهوم العلم والرؤية الموضوعية للعالم، أزيل الأساس المعرفي (للواقعية ) ، حيث لم يعد أمامها شيء حقيقي تكتشفه، وهنا يفتح الباب (للنزعة الشكلية ) (1) .

لقد وقع كثير من الأدباء أسرى (الشكل ) من هذا المنطلق، وأخذوا يلعبون باللغة، وسقطوا في هوة البهارج والتقديس للألفاظ وتراكيبها، وكان ذلك على حساب المضامين الفكرية والعلمية والعقائدية، كما أن ذلك فتح الباب أمام الترويج للنزوات والانفعالات والغرائز باعتبارها ـ في إطار مدرسة التحليل النفسي ـ هي الباعث الأول والأهم للسلوك، وانغمس الأدباء في عبادة اللاوعي، حتى جنى ذلك لا على المضمون وحده، بل تخطى ذلك إلى رو اسخ وأسس الشكل الفني الأصيل..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت