ولعل ميدان الكلمة ـ مكتوبة أو مقروءة أو مسموعة، وفعلها وأثرها ـ كان ولا يزال من أهم ميادين الحوار والصراع والمواجهة بين الخير والشر، والحق والباطل. وقد برز المعنى أكثر فأكثر في العصر الحاضر بعد أن سكت صوت الأسلحة بسبب من التوازن الدولي، وأخذت ساحات المواجهة والصراع والحوار الحضاري والثقافي ألوانًا جديدة، إنها الحروب الحديثة، حروب المعلومات والإعلام، وصراع المبادئ والعقائد والمذاهب المعاصرة والدعايات السياسية والمذهبية، التي تغرق العالم بسيلها الجارف، وتحاول إعادة تشكيل عقله، وزرع عواطفه، وتحديد استجاباته، والتحكم بنزوعه وسلوكه ابتداءً، إلى درجة أصبحت معها الدول والشعوب المتخلفة في هذا الميدان، تعيش وكأنها في معسكرات الأسر والاعتقال الفكري. إنه عصر الجبر والتسيير الإعلامي،والتحكم الثقافي والسياسي، الذي أصبح يملكنا ويقتحم علينا بيوتنا ويطاردنا في أخص خصائصنا ويخطف منا أبناءنا.
لقد ولَّى الزمان الذي كان فيه بناء الأسوار، وإقامة الحدود وحراستها يحولان دون وصول ما لا نريد من المذاهب، والكتب والأفكار والأشخاص، في عصر الدولة الإعلامية. ووسائل الإعلام الفتاكة والمتنوعة، التي لم تعد تنتظر الإنسان يسعى إليها وإنما هي التي تسعى إليه وتطارده وتلاحقه وتشاركه طعامه وشرابه ولا تنفك ملازمة له حتى يستسلم إلى النوم.
فليست المشكلة اليوم، في أن نفتح أبوابنا ونوافذنا، أو نغلقها أمام المذاهب والمعلومات والدراسات الثقافية، والفنون الأدبية المختلفة، والقضايا العالمية المطروحة، وإنما المشكلة الحقيقية، هي في أن نمتلك قوة الإرادة وبصيرة الأخيار، وانضباط المقياس، فيما نأخذ وما ندع، ونمتلك القدرة على تقديم البديل، الذي يرقى إلى المستوى العالمي، ونكون قادرين على إثبات وجودنا في ساحات الامتحان الحقيقي.