ومن الطبيعي والمنطقي أن (الأدب الإسلامي ) ينمو وترعرع في ظل (القرآن الكريم ) ورحابه، وينهل من فيضه، ويغتني بمنهجية وأسلوبه ونماذجه، ويستمد منه عناصر الصدق والطهارة والقوة والدقة والأمانة، ويستشرف منه الغاية، ويغتنم الوسيلة، وفي فجر الدعوة الإسلامية، أقام الرسول صلى الله عليه وسلم للشعر منبرًا في المسجد، كما قال عن شاعره حسان (إنه ينطق بروح القدس ) ، كما قال صلى الله عليه وسلم أيضًا (إن من الشعر حكمه، وإن من البيان لسحرًا ) ، وهكذا استمد الشعر الإسلامي منذ شروق الدعوة ألفاظ القرآن وعباراته وقيمه وأحكامه، وسار الشعر ـ وهو أهم فنون الأدب آنذاك ـ ركاب الزحف الإسلامي المقدس، موشحًا بالقيم الفكرية والفنية أو الجمالية، منطلقًا إلى غايات أسمى وأعمق من غايات الشعر الجاهلي الذي ظل أسير العصبيات والقبليات والفخر والهجاء والمديح..
إن إشعاعات القيم الإسلامية اخترقت الحواجز والسدود، وخالطت علم العلماء، وأدب الأدباء، وسلوك الساحة واللغويين والفقهاء،وحققت ذلك التجانس الهائل في مجالات الفكر والسلوك، دون قيود على الإبداع الفني، أو التجريب العلمي، أو الابتكار الحربي والإداري والحرفي، ومن هنا تولدت حضارة فذة، بعيدة عن التشوهات الخلفية والخلًقية، فضربت مثلًا رائدًا في تاريخ الحضارات الإنسانية قديمها وحديثها، ثم كانت هي الأساس لما جاء بعدها من حضارات تالية أو معاصرة، على الرغم من الانتكاسة الرهيبة التي يعاني منها المجتمع الإسلامي اليوم.