كانت الفلسفة والأدب في القرون الثلاثة ـ أو الأربعة ـ الأخيرة يسيران جنبًا إلى جنب، واحتدمت حرارة الحوار، وبالتالي حرارة الصراع بين المدارس المختلفة الفكر والفن، بل في إطار المدرسة الواحدة كانت تخرج تيارات فرعية، تثير من الجدل والصراع في داخل المدرسة الواحدة، أكثر مما تثير مع المدارس الأخرى المخالفة ويكفي أن نشير إلى التيارات والمدارس الفرعية التي تولت عن الواقعية أو الرمزية أو الرومانسية مؤكدة في هذا البحر الهائج من الفلسفات والاتجاهات والتفسيرات، بل أن الدارس أيضا يقف مذهولًا وهو يقرا تاريخ تلك المدارس، وكيف سطعت وترعرعت، ثم كيف أخذت تتمزق وتذبل، ثم كيف يحكم عليها بالخطأ.. بل بالفناء، وقد يكون الأمر مقبولًا بالنسبة لاتجاهات فنية وتتوهج ثم يهال عليها تراب النسيان، أما الفلسفات ـ وهي عادة تقوم على أسس أدق وأعمق ـ فإن الأمر يعتبر غريبًا، وخاصةً أن بناتها عرفوا بالتفكير المنهجي، والدقة في البحث، والتأني في الوصول إلى النتائج .
ولم يخل الأمر من وجود تيارات دينية فنية وفكرية في أوربا أباك ذلك الصراع المحتدم، حيث ظهرت فئة من رجال الدين المسيحي تبنوا قيمًا دينية واخلاقية، وصاغرها في إطار فلسفي، ونجح منهم فنانون وأدباء في تقديم نماذج قادرة على التصدي والذيوع، لكن الزحف المادي الجديد كان أقوى من أن يتراجع أمام الأدب المسيحي المدافع.