وانفصال اللغة عن منحى خطير، بل هو مقولة ساذجة، ولو أن هذا الانفصال دون رجعة كما يزعم (سارتر ) ، لما أفصحت كلماته عن فكره، ولما تلقى الجمهور مسرحياته وقصصه وانفعل بها أو وأنكرها، ولما أثارت ذلك الجو العاصف من اللغط والجدل، ولما استطاعت اللغة أن تترجم قوانين العصر العلمية، وتعبر عن منجزاته التكنولوجية، نستطيع القول: إن اللغة قد تقصرـ عند هذا أو ذاك ـ في أداء وظيفتها، وقد تعجز عن التعبير الوافي الشافي عمّا يدور في فكر الإنسان ومخيلته ونفسه، وقد تتخلف اللغة عن مواكبة المسيرة الإنسانية في وقت من الأوقات، لكن الجهود الإنسانية النبيلة الصادقة تدأب دائمًا، في استكمال النقص، وسد الثغرات، فهو أمر مرتبط بطبيعة الحياة بقدر ما يجد من وقائع، وبطبيعة الناس بقدر ما يلزمهم من تطوير وسرعة في الفهم والاستيعاب، فاللغة لم تنفصل عن العالم دونما رجعة كما يقول سارتر، لم تصبح شيئًا ميتًا كما يزعمون.
إنَّ المشكلة عند هؤلاء المفكرين تكمن في ذلك الخلل الداخلي الذي ابتلوا به، وفي الخلط الأهوج بين الوسائل والغابات، وفي سوء النّية والعداء العجيب الذي ولدوا وعاشوا في ظله، تحت وطأة الحياة الآلية الحديث، وترجع أولًا وأخيرًا إلى الخواء الروحي الذي دفعهم للتهكم من القيم، وإنكار العقيدة الدينية.
في وقت الاحتضار تلفت سارتر حوله في قلق وحيرة:
قالوا له:
ـ (أتريد شيئًا ) .
وفغروا أفواههم دهشة عندما سمعوه يقول:
ـ (أريد قسِّيسا ً) .
انزعجت رفيقته الشهير ( سيمون دي بوفوار ) وقالت:
ـ (معنى ذلك أنك تدمر فلسفتك ) .
لم يلتفت إلى قولها، ولكنه استطرد:
ـ (لا أريده من باريس.. بل من القرية.. أتفهمون ) .