والالتزام ـ في نطاق الحرية الإسلامية ـ لا يضع قيدًا على فكر، ولا يعطل مسيرة أي جهد علمي، ولا يصادر إباعًا، إنه تحرير للطاقات الإنسانية كي تؤدي دورها، وتحقق ذاتها، ولا يحد من طبيعة التفاعل اإنساني الخلاق، وإذا كان التفاعل الكيميائي ـ بلغة العلم ـ له اشتراطاته وضوابطه حتى يتم وينجلي عن مركب جديد، فإن الحرية ـ إن صح التعبير ـ تحوطها اشترطات وضوابط تجعلها تفعل فعلها على النحو الأمثل، فيتشكل الإنسان على هيئة كيان معبر عن قيم الحضارة الإسلامية، وبذلك يؤدي دوره في الحياة، ويواصل الرسالة الخالدة بالصورة الصحيحة، دون تحريف أو تبديل، ومن ثم يقوم مجتمع متآخ متناغم، يتطبق عليه قول الرسول صلى الله عليه وسلم (مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ) أو كما قال. والأدب الإسلامي وسيلة لحمل هذه القيم، والتبشير بها بين البشر، يترنم بها في قصيدة جميلة، أو يرويها في قصة شيقة، أو يمزجها في إطار مسرحية تشد الألباب والقلوب، وتؤثر في النفوس، والالتزام بذلك جزء من طبيعة هذا الدين، ومسؤولية من مسؤولياته الكبير ة الكثيرة، وطريقة من طرائقه في التوصل بين الإسلام وبين بني البشر قاطبة، وذلك حتى تزدهر براعم الحب والخير والفضيلة في أنحاء الأرض، ويتحقق المجتمع الأمثل الذي تحلم به الآمال، أو (المدنية الفاضلة ) الحقيقية، التي كدح وراءها خيال الفلاسفة طوال القرون. والالتزام الأمثل انبثاق تلقائ من قلب المؤمن وفكرة ونفسه، وهو ليس تصورًا هلاميّا ، أو شعورًا عامًا، لكنه حقيقة واقعة، تقوم الأحكام والآداب الإسلامية بتوصيفها، وتحديد ملامحها.