والجمال ليس قيمة سلبية لمجرد الزينة، كما أنه ـ كما أسلفنا ـ ليس تشكلًا ماديًا فحسب، ولكنه بالمعنى الصحيح حقيقة مركبة في مداخلها وعناصرها وتأثيراتها المادية والروحية، وموجاته الظاهرة والخفية، وفي انعكاساته على الكائ ن الحي، لأن أثره يخالط الروح والنفس والعقل، فتنطلق ردود أفعال متبانية، بعضها يبدو جليّا، وبعضها الآخر يفعل فعله داخليًا، لكن محصلة ذلك كله ما يتحقق للإنسان من سعادة ومتعة، وما ينبثق عن ذلك من منفعه، تتجلى فيما يأتي أو يدع من أفعال وأقوال، وفيما يحتدم داخله من انفعالات ومشاعر، والجمال بداهة لا يرتبط بالمظاهر الحسية وحدها، وهذه قضية، هامة من وجهة النظر الإسلامية الشهوة البهيمية، وارتكاب الرذيلة، واشباع الرغبة الاثمة، وجمال الطبيعة وما فيها من ورود وزهور وأنهار وجبال وطيور، وليس مجرد جمال سطحي، لكنه ينبع من قوة قادرة، خلقت فأحسنت، وصنعت فخلبت الألباب والأبصار، وأثارت الفكر والتأمل، وفتحت أبواب الإيمان واليقين بهذ ه القدرة المعجزة الخالقة، وإذا كان الاستمتاع بالجمال مباحًا في الأصول الإسلامية، فإنه مدخل إلى ارتقاء الروح والذوق، وسمو النفس وخلاصها من التردي والسقوط، ومحرك للفكر كي يجول إلى ما هو أبعد من المظاهر الحسية التي قد كتب عليها الزوال، فالجمال سبب من أسباب الإيمان، وعنصر من عناصره، والقيم الجمالية الفنية تحمل على جناحها ما يعمق هذا الإيمان ويقويه، ويجعله وسيلة للسعادة والخير في هذه الحياة.