والفلسفات المعاصرة ـ كما يقول الدكتور زكي نجيب محمود (1) : قد صبت الاهتمام كله على الكون في طبيعته التي نحيا بين جنباتها، فكأنما الإنسان في عصرنا هذا، قد اتجه بفكره نحو بيته الذي يقيم فيه، يحاول معرفة، فلم يظهر من فلاسفة العصر بنظرة لا لإثباتًا ولا نفيًا ولا تعليقًا إلاّ في القليل النادر، ومن هذه الزاوية استحق عصرنا أن يوصف بما يوصف به كثيرًا، وهو أنه عصر مادي، بمعنى أنه لا يجاوز حدود واقعة الذي يعيش فيه. إلى خالق ذلك الواقع بكل ما فيه ومن فيه، وهو سبحانه نالك يوم الدين، حين تفنى الدنيا ويكون الحساب .
فالمسلم إذ يقبل الجزء الأكبر مما قيل عن (البيت ) من الداخل، يرفض رفضًا قاطعًا أن تكون جدران (البيت ) هي أوله، وهي آخره، لأنه يعتقد أنه بيت إلى زوال، كان قبله أزل، وسيكون بعده أبد الخلود.
ويشير الأستاذ محمد قطب في (منهج الفن الإسلامي ) إلى أن التصور الأوروبي قائم على مادية الإنسان ، وحيوانية الإنسان، وإنكار الروح، وأن السبب في ذلك هو (الدارونية ) القديمة، التي تولدت عنها (الماركسية ) وعلم النفس الحديث، وعلم الاجتماع الحديث، وتأثر بها الأدب والفن في القرن التاس ع عشر والقرن العشرين.
ولقد تأثرت (فلسفة الجمال ) بهذه التصورات الجديدة للحياة، مثلما تأثرت فلسفة الجمال عند ارسطو بعوامل تاريخية وعقائدية، وحمل فلاسفة الجمال الجدد على كل الفلسفات الجمالية القديمة، كما حاولوا بكل قوة أو يعزلوا الفن عن الدين، وأن يصوروا العلاقة بينهما على أنها علاقة نفور وتضاد، فتارة يقولون: إن الفن غاية، شعارات الدين والسياسة وغيرهما تفسد الفنون، وتارة أخرى يزعمون أن الأديان قيود والفن حرية وانطلاق، ومرة ثالثة يدعون أن الدين عمادة الأخلاق ، والفن لا يعبأ بهذا الجانب، إذ أن الفنون في نظرهم لا تعبأ بما هو فضيلة أو رذيلة، ولكنها تهتم بكل ما هو جميل في تصوير الخير أو الشر، ففي كل جمال من نوع ما.