إن اقتصار الفن على دور البحث عن الجمال وحده، تعطيل لوظيفة حيوية، وهو الذي يمكن أن ينقل الفنون والآداب إلى متاهات العبثية والانفلات، ومهما كان (الجمال ) مطلوبًا لذاته، فإن فاعليته تكون أقوى وأجدى إذا ما الاتبطت أسبابه بتجلي الحقائق وإشراقاتها. وإذا كانت الحقائق قد شابها بعض الزيف أحيانًا تحت التصورات الفلسفية وحديثًا، فإن القرآن قد وضع أيدينا على الحقائق الكبرى في الدنيا وفي الآخرة، وأعطى للمؤمن قناعات تامة لا تتزعزع في كثير من الجوانب، ولكن يبقى الباب مفتوحًا للكدح والتجربة من أجل الوصول إلى حقائق جديدة ثانية، ومن المعلوم أن صور الجمال لا تعد، وأ ن آفاق الحائق المختلفة لا تحدها حدود، والأديب المسلم يستطيع أن ينطلق دون عائق في عوالم الحق والجمال والخير والتوحيد والعدل والحب والرجاء.
وإذا كان الأدب أساسًا هو التعبير الجميل، فإن (الفكرة ) هي عماد العمل الأدبي، ولها هي الأخرى جمالها، لأن العمل الأدبي كل لا يتجزأ، والجمال ينسحب على الشكل والمضمون معًا، وهذا ما أشار إليه بعض كبار النقاد، وفي الصدق الفني جمال يول حسان بن ثابت: وإن أشعر بيت أنت قائله بيت يُقال ـ إذا أنشدته ـ صدقًا
والمنفعة في العمل الأدبي لا تتنافى مع القيم الجمالية، وهذا راجع إلى قدرة الكاتب وبراعته في الأداء، لكن الذي لا شك فيه أن الشعارات الفجة، والدعاوى الصريحة، قد تفسد الكثير من جماليات الفن، ولقد استطاع كتاب كبار أن يجمعوا بين المنفعة والقيم الجمالية، فابدعوا أدبًا جديرًا باحترام العصور، ويقول (راسين ) (1) .