الذي استطيع تأكيده، إنني ما فعلت في مكان آخر، كما فعلت هنا (مسرحية فيدر) في ابراز الفضيلة بشكل واضح، فاخف الأخطاء هنا تنال أشد العقاب، وفكرة الجريمة ينظر إليها هنا بالرعب نفسه مثلما ينظر إلى الجريمة ذاتها، ومواطن الضعف في الحب تصور هنا كمواطن ضعيفٍ فعليه، والأشواق تصور لمحض أنها تظهر الاضطراب الشامل الذي تسببه، الرذيلة هنا تصور في كل مكان لتجعل المرء يدرك بشاعتها فيكرهها. هذه في الواقع هي الغاية الصحيحة التي يتوجب على كل امرىء يعمل من أجل المجموع أن يضعها نصب عينيه، وهي بالذات مما كان يشغل بال شعراء المأساة الأوائل قبل غيرهم، فمسرحهم كان مدرسة تعلم الفضيلة بشكل لا يقصر عما تعلمه مدارس الفلاسفة.. ).
وإذا كان (ديدرو ) يرى أن العقلانية مفسدة للشعر، فإن (فولتر ) على النقيض منه يقول: (أنا لا أقدر الشعر إلا عندما يكون زينة العقل ) .
وهناك مذهب شهير في الفن يطلقونه عليه مذهب (الجمالية ) ، ويدخل في نطاقه مذهب (الفن للفن ) ، والجمالية بمعناها الواسع (محبة الجمال ) ، وترى طائفة كبيرة من أصحاب هذا المذهب أن قيمة الفن توجد في ممارستنا المباشرة له، وليس فيما يقال عن تاثيره في السلوك، والفن ـ كما يقولون ـ يختلف عن الحياة، ولكن الموقف الجمالي يؤكد ذلك الاختلاف إلى حد القول: إن الفن لا علاقة له بالحياة، ولذلك فهو لا يحمل مضمونًا أخلاقية، والجمالية تعطي الشكل أهمية كبرى، وتكون قيمة العمل الفني في الشكل دون الموضوع، بينما يرى آخرون من أتباع الجمالية: أن الجمال قيمة لا غنى عنها، تقديرها ضروري للحياة الخيرة ولكن لا يمكن فصلها عن قيمتي الخير والحق، وهي في الواقع تأتي بعدهما.