فهرس الكتاب
ان هذه المقاطع التي اثرنا الوقوف عندها كنماذج من بين كثير غيرها ، تبين لنا قمة الاندماج الحضاري الفاعل بين الانسان والقوى غير المرئية والطبيعة ، في حوارها الخلاق مع الله سبحانه اخذًا وعطاءًا .. ان طاقات الكون كله تنسجم هنا وتتناغم وتعمل بتوافق رائع في خدمة الانسان الذي يتوجه الى الله في اصغر فاعلياته واكبرها ، حامدا شاكرا ، عابدا ، للمنعم الذي منحه هذا كله لكي يختار موقعه الصحيح الذي انشئت الحياة على الارض من اجله { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ } (750)
والعبادة التي تطرحها هذه الآية العريضة ليست علاقة ثنائية سالبة بين الله
والانسان ، كما انها ليست عطاءًا ومنحا ، احادي الجانب ، يشكر الانسان به ماوهبه الله اياه في نفسه وعالمه ، انها حوار ايجابي وجدل فعال وممارسة حضارية تسودها علاقات الاخذ والعطاء .. ان هذه الآيات تجيء لكي تعطينا صورة ، من عشرات الصور التي التي يطرحها القرآن عن طبيعة العلاقة بين الله والانسان ، وعما تؤول اليه على نطاق النفس البشرية والعالم كله ، حيث لاانفصال في الاسلام - بين الانسان والعالم - ، ولا انقطاع بين عالمي الحضور والغياب ، وحيث الارتباط الكلي الذي يضم الانسان الى الطبيعة ، الى ما وراءها ، لكي تتحقق مشيئة الله في اعمار الارض ، والتوجه المسؤول صوب خالق الكون والحياة والانسان وتأدية مسؤولية الخلافة بوعي وامانة .