الصفحة 58 من 142

في البعد الثالث يطرح القرآن حشدا من الحقائق والسنن والنواميس في مجالات العلم المختلفة: الفلك والجغرافية والنبات والحيوان والانسان ، في عدد واسع من المقاطع والآيات... وهاهنا يلجا بعض المفكرين او المفسرين المعاصرين الى اعتماد احد الموقفين اللذين سبق وأن اشرنا اليهما: الموقف الاول يتكيء كلية على معطيات العلم الحديث لتفسير آيات القرآن الكريم والوقوع بالتالي في خطأ منهجي يقوم على تحكيم الجزئي بالكلي والمتغير بالدائم والنسبي بالمطلق . فاذا ما حدث ان تبدلت الجزئيات والمتغيرات والنسبيات العلمية ، وهذا شأنها كما يؤكد العلماء انفسهم ، ادى ازاء ذلك الى احداث شرخ ، او قلق ذهني ، ازاء تلك الآيات التي فسرت وفق مقولات لم يتح لها الدوام .

والموقف الثاني يرفض كلية الاعتماد على معطيات العلم الحديث تحسبا من مصير كهذا فيقع في مظنة الخطأ هو الآخر .

والمنهج الاقرب الى الصواب هو ان نتخذ موقفا (وسطا) كما علمنا كتاب الله نفسه ان نتخذ في كافة مساحات الحياة ، فلاهو بالالتصاق الكامل بمعطيات العلم المتغيرة ، ولا هو بالرفض الكامل للتفسير بها .

ان المفسر المعاصر يتوجب عليه ان يعمل عقله وقدراته في مجال تخصصه اذا توفرت لديه ، لادراك طبيعة العلاقة بين طرفي المعادلة: الآية القرآنية والمقولة العلمية ، مستفيدا من جهة اخرى ، من الاتجاهات الحديثة التي نضجت اخيرا في مجال التفسير القرآني تلك الاتجاهات التي تعتمد مفردات القرآن نفسه ومنحنياته البيانية لفهم مضامينه ومعانيه فيما يعرف بالتفسير البياني للقرآن ، والذي من شأنه ان يمنح المفسر ضمانات موضوعية لنشاطه تحميه من الافراط او التفريط في محاولة الوصول الى الدلالات المقصودة للكلمات والتراكيب الجملية .

ومن خلال هذا التوازن في القدرة العلمية (التخصصية) والقدرة التفسيرية (البيانية) يمكن للمفسر ان يتحرك للكشف عن الدلالات المقصودة للآيات العلمية في كتاب الله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت