وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: «إن أول يوم عرفت فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أمشي أنا وأبو جهل بن هشام في بعض أزقة مكة، إذ لقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي جهل: «يا أبا الحكم هلمَّ إلى الله ورسوله، إني أدعوك إلى الله» فقال أبو جهل: يا محمد، هل أنت منته عن سب آلهتنا؟ هل تريد إلا أن نشهد أن قد بلغت؟ فوالله لو أني أعلم أن ما تقول حق ما تبعتك! فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل عليَّ فقال: والله إني لأعلم أن ما يقول حق، ولكن بني قصي قالوا: فينا الحجابة، فقلنا: نعم، قالوا: فينا الندوة، قلنا: نعم، قالوا: فينا اللواء، قلنا: نعم، قالوا: فينا السقاية، قلنا: نعم، ثم أطعموا، وأطعمنا، حتى إذا تحاكّت الرُّكَب قالوا: منا نبي! فلا والله لا أفعل» (1) .
وقصة الوليد بن المغيرة لما اجتمعت قريش في الموسم للاتفاق على كلمة واحدة يختلقونها في شأن الرسول صلى الله عليه وسلم -كما سيأتي- دليل صريح على حرصهم على الوقيعة في رسول الله صلى الله عليه وسلم، والبحث والتنقير عن أي نقيصة أو عيب ولكن أنى لهم ذلك، فراحوا يختلقون عليه من عند أنفسهم دون حياء.
( جل العظماء حالتهم مع الناس غير حالتهم مع أهلهم وفي بيوتهم، ولا يرضون لزوجاتهم أن تخبر عن أحوالهم، بل تعتبر حياتهم الخاصة سرًا من الأسرار يعاقب على إفشائها، وكل الناس كذلك لا يرضون أبدًا أن يطلع أحد على كثير من حياتهم الأسرية الخاصة.
(1) رواه يونس بن بكير في زوائده على السير والمغازي لابن إسحاق (ص:210) ، والبيهقي في دلائل النبوة
(2/207) ، وقال في الغرباء (ص:93) : (( إسناده حسن ) ).