فهرس الكتاب
بكرت تخوفني الحتوف كأنني ... أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل
فأجبتها إن المنية منهل ... لا بد أن أسقى بكأس المنهل
فاقني حياءك لا أبا لك واعلمي ... أني امرؤ سأموت إن لم أقتل (1)
وكانوا يختارون الموت على الذلة، قال حصين بن حمام المري:
فلست بمبتاع الحياة بذلة ... ولا مرتق من خشية الموت سلما
وقال عدي بن رعلاء الغساني:
ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء
إنما الميت من يعيش ذليلًا ... سيئًا باله قليل الرجاء
فهو يصف من تركته الحرب معافى في ثياب الذل فموته في هذه الحال أفضل (2) .
وقال عنترة:
لا تسقني ماء الحياة بذلة ... بل فاسقني بالعز كأس الحنظل
ماء الحياة بذلة كجهنم ... وجهنم بالعز أطيب منزل
5-كانوا بمعزل عن الأدواء المدنية والترف الذي يحول دون التحمس للعقيدة والتفاني في سبيلها، فكانوا يقلون من الأكل ويقولون البطنة تذهب الفطنة ويعيبون الرجل الأكول الجشع:
إذا مدت الأيد إلى الزاد لم أكن ... باعجلهم إذ أجشع القوم أعجل (3)
6-وكانوا أمة نشأت على الحرية والمساواة، لم تخضع لحكومة أجنبية ولم تألف الرق والعبودية واستعباد الإنسان للإنسان مثل الأمم المعاصرة لهم، الذين حرموا من إبداء الرأي فضلًا عن النقد وإبداء الملاحظة، يأنفون من الذل ويأبون الضيم والاستصغار والاحتقار.
جلس عمرو بن هند ملك الحيرة لندمائه وسألهم: هل تعلمون أحدًا من العرب تأنف أمه خدمة أمي؟ قالوا: نعم أم عمرو بن كلثوم الشاعر الصعلوك.
فدعى الملك عمرو بن كلثوم لزيارته، ودعى أمه لتزور أمه، وقد اتفق الملك مع أمه أن تقول لأم عمرو كلثوم بعد الطعام: ناوليني الطبق الذي بجانبك، فلما جاءت قالت لها ذلك فقالت: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها، فأعادت عليها الكرة وألحت، فصاحت ليلى أم عمرو بن كلثوم: وا ذلاه يا لتغلب...
(1) ديوان عنترة (ص252) .
(2) انظر عن شجاعة العرب بلوغ الأرب (1/103-120) .
(3) بلوغ الأرب (1/377) .