فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 272

والمساجد كذلك هي المدارس العامة، والجامعات الشعبية، والكليات التهذيبية للأمة يتعلم فيها الكهول والشبان والشيوخ والصبيان ما يصلح حالهم في معاشهم ومعادهم، ويزودون فيها بأحكام دينهم، وغذاء عقولهم، وشفاء صدورهم بما يستمعون من عظات، وما يحضرون من حلق العلم التي لا يتقاض عليها أهلها أجرًا، ولا يرهقون المستمع قلًا ولا كثرًا.

فإذا كنا نعنى بإنشاء المدارس وتعميمها بين طبقات الأمة. وإعداد المشافي لعلاج الصحة، فأولى بنا أن نعنى بإقامة المساجد التي هي بحق بيوت للعبادة، ومدارس للعلم، ومستشفيات لأمراض النفوس.

وقد كان أسلافنا - رضوان الله عليهم - يعنون بالتدريس في المساجد للخاصة والعامة، ويلحقون بكل مسجد مدرسة، وربما تبع ذلك مساكن للطلبة ليتحد العلم بالعمل، ويقترن القول بالفعل، وتكون الدراسة تطبيقيه قبل أن تكون كلامية، وتبث روح الدين في المتعلمين، وترسخ مظاهره في نفوس الطالبين، فيتخرجون على الفضيلة والأخلاق المحمدية النبيلة.

لا كمدارس ابتدعوها ومعاهد اخترعوها، يدخلها أبناؤنا مسلمين، ويخرجون منها ملحدين، أو بلا دين، وقد تسممت عقولهم بالأفكار الخبيثة الفرنجية، وحشيت أدمغتهم بالآراء الإلحادية، وشبوا على التقليد والإباحية. وأي تعليم أرتى من تعليم المساجد لو أتقنه القائمون به، وفهموه على وجهه، وعماده الرغبة لا الرهبة، وأساسه الصلة والمحبة.

والمساجد بعد هذا كله ميدان تعارف المؤمنين، ومكان تلاقي أشخاصهم، ففيها يجتمعون وتحت ظلها يتآخون ويتعارفون، وقد كانت في القديم أندية المسلمين ومجالس صلحهم، وحفل نكاحهم تنفيذًا لوصية الرسول عليه الصلاة والسلام حيث يقول" أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد"، فيجتنبون مصائب هذه المحافل المعتادة من إسراف وتبذير ورياء وتكبر وتفاخر بالباطل والله لا يحب كل مختال فخور.

فإذا كانت للمساجد هذه الآثار في حياة الأمة كانت أول ما يجب أن يعنى بعمارته العاملون ويفكر في إصلاحه المفكرون، وكذلك كان أول عمل لرسول الله عليه الصلاة والسلام في هجرته أن بنى مسجد قباء مدة إقامته في بني سالم بن عوف، وهو المسجد الذي أنزل الله فيه: " لمسجد أسس عل التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه، فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت