كفي برهانا على خلود الإسلام وعلى أنه دين الله المختار الذب صنع ليعيش إلى آخر الزمن، وعلى خلود هذه الأمة وعلى أنها هي الأمة الأخيرة، وعلى أنها منجبة منتجة، مورقة مزهرة، وعلى أنها كنانة الله التي لا تنفد سهامها ولا تخطئ مراميها، كفي برهانًا على ذلك وجود هؤلاء المصلحين والمجاهدين والعباقرة والنوابغ، والموهوبين والمؤيدين والمربين، وقادة الإصلاح الموفقين الذين ظهروا ونبغوا في أحوال غير مساعدة، وفي أجواء غير موافقة، بل في أزمنة مظلمة حالكة، وفي بيئات قاتلة فاتكة وفي شعب أصيب بشلل الفكر وخواء الروح وخمود العاطفة وضعف الإرادة وخور العزيمة وسقوط الهمة ورخاوة الجسم ورقة العيش وفساد الأخلاق والإخلاد إلى الراحة والخضوع للقوة واليأس من الإصلاح، وأصبح الجيل المعاصر كله كأنه طبعة واحدة من كتاب واحد خرجت من مطبعة متقنة لا تختلف نسخها وصحائفها، حسبك أن تقرأ كتابا وتقيس عليه الباقي، فلا تنوع ولا اختلاف، ولا طموح ولا استشراف، ولا تلق ولا اضطراب، ولا تفرد ولا شذوذ ولا جدة ولا طرافة، ولا شئ غير المعتاد ولا شئ فوق المستوى، وأصبحت الحياة قطارا موحدا تجره قاطرة واحدة، هي قاطرة المادة والمعدة، أو قاطرة الغرض والمصلحة، أو قاطرة اللذة والمنفعة، أو قاطرة القوة والغلبة، ويدل كل شئ على أن هذه الحياة قصة واحدة، أو مسرحية قد أحكم وضعها وإخراجها، ويعاد تمثيلها على مسرح الإنسانية، أو على مسرح التاريخ الإسلامي، ويلعب كل بطل من أبطال هذه الرواية دوره الخاص الذي أسند إليه بكل مهارة ولباقة، ثم تنتهي هذه القصة في تصفيق المعجبين ودموع المتألمين.