فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 272

وبينما يواصل هذا الركب سيره، وهذا القطار سفره في غايات محدودة، ومنازل معروفة، وأصوات مألوفة، و نغمات مكررة، إذا بشخصية تقفز من وراء الأستار، أو من ركام الأنقاض والآثار، وتفاجئ هذا الركب الهادئ الوادع الذي لا يعرف غر الوصول إلى غايته المرسومة المحدودة، ولا يهتم إلا بقوت اليوم وزاد الطريق وأمن السبيل وراحة الأبدان.. تفاجئه بالدعوة إلى الإصلاح والحاجة إلى استئناف النظر والتفكير في الأوضاع العامة ومصير الإنسانية ومسئولية الأمة التي أخرجت للناس، والثورة على الأوضاع الفاسدة والأخلاق الرذيلة والعقائد الضالة، والعادات الجاهلية، وعبادة البطون والشهوات، وعبودية القوة والسلطات، ويدعو إلى حياة كريمة فاضلة، وإلى مدنية سليمة صالحة، وإلى مجتمع رشيد عادل، وإلى إيمان عميق جديد، وإلى إسلام قوي حاكم، ويرفع بكل ذلك صوتا مدويا عاليا يضطرب به الركب وتهتز به مشاعره وعواطفه وقيمه ومفاهيمه، ولا يستطيع أن يتغافل عنه أو يتجاهله أو يستخف به ويستمر في سيره غير مقبل عليه أو ملتفت إليه، بل يخضع له عدد كبير من أعضائه فينشقون عنه ويلتحقون بهذا الداعية، فيجعل منهم ركبا جديدا يثق بنصر الله، ويسير على بركة الله.

إن لهؤلاء الثائرين والدعاة المصلحين قائمة مشرقة ومشرفة يتجمل بها تاريخ الإصلاح والدعوة، ولا يخلو منهم زمان ومكان. وقد كان صاحب هذا الكتاب الذي أتشرف بتقديمه من هذه الشخصيات التي هيأتها القدرة الإلهية، وصنعتها التربية الربانية، وأبرزتها في أوانها ومكانها، وإن كل من يقرأ هذا الكتاب سليم الصدر، مجرد الفكرة، وبعيدًا عن العصبية والمكابرة، يقتنع بأنه رجل موهوب مهيأ، وليس من سوانح الرجال ولا صنيعة بيئة أو مدرسة، ولا صنيعة تاريخ أو تقليد، ولا صنيعة اجتهاد ومحاولة وتكلف، ولا صنيعة تجربة وممارسة، إنما هو من صنع التوفيق والحكمة الإلهية والعناية بهذا الدين وبهذه الأمة، والغرس الكريم الذي يهيأ لأمر عظيم ولأمل عظيم في زمن تشتد إليه حاجته وفي بيئة تعظم فيها قيمته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت