فهرس الكتاب
ووصلت إلى القاهرة لأول مرة في حياتي، وكان سني حينذاك قد أربت على السادسة عشرة بشهور، ونزلت في باب الحديد مع العصر تقريبًا، وركبت الترام إلى العتبة، ثم السوارس إلى سيدنا الحسين حيث نزلت وقصدت دكان هذا التاجر وسلمته الخطاب فلم يكترث به ولم يعبأ بما فيه، وكل الذي فعله أنه كلف أحد عمال المحل بملاحظتي. وكان العامل رجلا صالحًا كريمًا، وللوالد ولي به معرفة سابقة، فرحب بي و أكرمني وأخذني إلى منزله فافطرنا، وخرجنا نقضي بعض الوقت وعدنا إلى المنزل للسحور، ونمت بعد صلاة الصبح، واستيقظت مبكرا أطالب صاحبي بأن يدلني على مدرسة دار العلوم حيث قد سبقني إليها بعام الصديق الحميم والأخ الكريم الأستاذ محمد شرف حجاج - المدرس بالمعارف الآن - لألقاه لأستوضح منه طريقة الكشف الطبي والامتحان. وقد دلني العامل الطيب على طريقة لموصول إلى دار العلوم، فركبت السوارس إلى العتبة ثم الترام إلى شارع قصر العيني مقابل دار العلوم، وانتظرت خروج الطلاب حيث لقيت صديقي وتعانقنا، وأخذ بيدي إلى منزله في حارة عبد الباقي ببركة الفيل بالدور الثاني حيث كان يسكن مع فريق من الطلاب.
كان عملي في اليوم الثاني منذ الصباح أن قصدت إلى ذلك التاجر الكتبي،بعد أن ذهب صديقي إلى المدرسة، ليدلني على صانع نظارات ليصنع لي نظارة. طبية استعدادًا للكشف، ولكنه أعرض كعادته فلم أشأ أن أضيع الوقت، وذهبت من فوري إلى الأزهر ودخلته لأول مرة وراعني ما رأيته من سعته وبساطته، وحلق الطلاب فيه يدرسون ويذاكرون ووقفت على الحلق واحدة فواحدة، ثم رأيت حلقة يتحدث أهلها عن دخول دار العلوم، وفهمت أنهم متقدمون لامتحانها الذي سيكون بعد نحو عشرة أيام، وللكشف الذي سيتم بعد ثلاثة أيام تقريبًا فاندمجت فيهم، وتحدثت إليهم عن رغبتي وعن حاجتي إلى من يرشدني إلى طبيب لأصنع نظارة طبية، فتطوع معي أحدهم وقام من فوره إلى عيادة دكتورة يونانية فيما أظن ولكنها متمصرة، وصفها بالحذق والمهارة، وأنها صنعت له نظارة مناسبة مع اعتدال القيمة، وعندما وصلنا إليها بدأت عملها وأخذت في نظير الكشف خمسين قرشًا ودلتنا على محل النظارات الذي أخذ بدوره ثمنًا للنظارة مائة وخمسين قرشًا وأنجز النظارة فورًا، وبذلك لم يبق أمامي إلا انتظار الكشف بعد يومين.
الكشف الطبي