فهرس الكتاب
ولست أبالغ حين أقول إن التوفيق حالفني في هذا الكشف محالفة عجيبة في الوقت الذي رأيت بعض من أعرف يخونهم الحظ "وسبحان من قسم الحظوظ فلا عتاب ولا ملامة". لقد كان الأطباء ثلاثة، وكنت آخر اسم في كشف أولهم وهو أطيبهم وأيسرهم كشفًا. وكان الأخ الأستاذ علي نوفل من نصيب ثالثهم. وهو أقساهم قلبًا وكشفًا. وبقدر ما كانت نسبة النجاح عند طبيبي عالية، كانت نسبة الرسوب عند هذا الآخر أعلى. فنجحت مع شكي التام في النجاح، ورسب هو مع تأكده التام من سلامة بصره وبدنه ومع استعداده الكامل لهذا النجاح.
وأوصاه الطبيب بعمل نظارة يعيد بها الكشف ففعل، ولكن خبث هذا حال بينه وبين النجاح مرة ثانية فضاعت منه الفرصة، ولكنه بعد ذلك انتسب إلى كلية الآداب قسم اللغة العربية وثابر على هذا الانتساب حتى ظفر بالليسانس منها، وصاحب الهمة لا يعجزه شيء.
أسبوع في الأزهر
ظهرت نتيجة الكشف وكانت في الحقيقة مفاجأة لي أن كنت من الناجح ولذلك واجهت مهمة الامتحان في جد لا هزل معه فلم يكن إلا الجد ولم يبق إلا أسبوع واحد فلا ينفع إلا التبتل، وقد كان. فقد حملت أمتعتي وكتبي ويممت شطر الأزهر المعمور وهناك، في القبلة القديمة بالضبط، حططت رحالي. وتعرفت إلى بعض الزملاء المتقدمين إلى دار العلوم، ونوينا الاعتكاف هذا الأسبوع للعلم وللبركة معاٌ: نتناوب الخروج لإحضار طعام الإفطار والسحور، ونتناوب الحراسة في النوم فلا ننام إلا غرارًا. وقاتل الله علم العروض فلم أكد أفقه شيئا من زحافه وعلله وضروبه وقوافيه وكان جديدًا علي بكل معنى الكلمة، ولكنني أخذت أستذكر والسلام، وما كنت أخشى العلوم الرياضية والمدنية ولكني كنت أخشى النحو والصرف إذ كنت أتصور أني لا أشق فيهما غبار الطلاب المتقدمين من الأزهر بين الذين جاوزوا الشهادة الأهلية ودرسوا في السنوات العالية. نعم إنني أحفظ الألفية، وقرأت لنفسي شرح ابن عقيل عليها، وشاركني الوالد في بعض هذه الشئون، ولكنها لم تكن الدراسة المنظمة التي تهدأ معها النفس، ويسكن إليها القلب.
وجاءت أيام الامتحان ومرت بسلام، ولا زلت أذكر بيت العروض الذي امتحنا فيه وأذكر أنه طلب إلينا أن نقطعه ونذكر ما فيه من علل وزحاف ومن أي بحر هو:
لو كنت من شيء سوى بشر…… كنت المنور ليلة البدر
رؤيا صالحة