فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 272

ولم يكن ينقص على اجتماع شمل الأسرة على هذه الصورة إلا عاطفة قوية جياشة، هي عاطفة الأخوة والمحبة والصحبة في الله بيني وبين الأخ أحمد أفندي السكري، فقد كنا نتعزى عن هذه الفرقة بأيام الإجازات وبأن مصيرنا في النهاية إلى بلد واحد. وأما الآن ونحن نواجه وضعا جديدا، فقد يكون من شأنه ألا أعود إلى المحمودية إلا أن يشاء الله، فذلك أمر له في أنفسنا خطورته يجب أن نطيل التفكير فيه، وأن نتغلب عليه بكل الوسائل.

كانت لنا اجتماعات وليال وأحاديث وجلسات طوال حول هذا المعنى: إن أحمد تاجر، والتاجر لا وطن له، فلماذا لا ينتقل هو الآخر إلى القاهرة ولكن أسرته ما يصنع بها هي لا تريد الانتقال ولا تسمح ظروفها به فما العمل؟ فكرنا طويلا ثم انتهينا إلى أن نتخذ من هذه السنة تجربة نرى بعدها ما سيكون. وانتقلنا فعلا، وبدأ العام الجديد، وقضى معي أحمد أفندي بالقاهرة قرابة شهر في أوله، وعاد إلى المحمودية، وظللنا نتكاتب طول هذه الفترة حتى انتهي العام كسابقه وبدأت الأجازة الصيفية.

دكان الساعات

وجاءت الأجازة الصيفية الثانية وكان لزامًا علي أن أقضيها بالمحمودية فلا بد من إيجاد سبب للإقامة هناك طوال الأجازة. فعرضت على الوالد أن أذهب لأفتح دكانًا لنا هناك أعمل فيه بنفسي، كساعاتي مستقل، لأتمرن تمرينًا عمليًا استقلاليًا على الصنعة. -وكان الوالد يعلم السبب الحقيقي ولكنه كان كثيرا ما يسلم لي بما أريد ويشعرني دائما ثقته بتصرفاتي مما عودني به الثقة بنفسي ولهذا سمح لي بالسفر وأوصاني خيرا. وسافرت، وفتحت الدكان، واشتغلت فعلا بإصلاح الساعات، وكنت أجد سعادتين في هذه الحياة، سعادة الاعتماد على النفس والكسب من عمل اليد، وسعادة الاجتماع بالأخ أحمد أفندي وقضاء الوقت معه ومع الحصافية وقضاء ليالي هذه الأجازة معهم نذكر الله، ونتذاكر العلم في المسجد تارة، وفي المنازل تارة، وفي الخلوات بظاهر البلد تارة أخرى، والاستحمام في النيل في النهار أحيانًا، وكانت لي وللأخ أحمد أفندي اجتماعات خاصة كثيرًا ما تستغرق الليل بطوله. وكان نزولي في منزله طول مدة الأجازة فكنا لا نفترق في ليل أو نهار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت