فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 272

وبالرغم من اشتغالنا الكامل بالعبادة والذكر واستغراقنا في الطريق بأورادها ووظائفها وأحفالها إلا أننا كنا دائما نتعشق العلم والقراءة، وننفر من كل ما يتنافى مع ظاهر الدين وأحكامه، وننكر على- كثير من المنتسبين للطرق خروجهم على تعاليم الإسلام. فكنا مريدين أحرارًا في تفكيرنا وإن كنا مخلصين كل الإخلاص في تقديرنا للعبادة والذكر وآداب السلوك.

مثل طيب

وأذكر أنه كان من عادتنا أن نخرج في ذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم بالموكب بعد الحضرة، كل ليلة من أول ربيع الأول إلى الثاني عشر منه من منزل أحد الإخوان، وتصادف أننا في أحد الليالي، كان الدور على أخينا الشيخ شلبي الرجال، فذهبنا على العادة بعد العشاء فوجدنا البيت منيرا نظيفا مجهزا ووزع الشربات والقهوة والقرفة على مجرى العادة. وخرجنا بالموكب ونحن ننشد القصائد المعتادة في سرور كامل وفرح تام. وبعد العودة جلسنا مع الشيخ شلبي قليلا، وأردنا الانصراف فإذا هو يقول في ابتسامة رقيقة لطيفة: " إن شاء الله غدا تزورونني مبكرين لندفن روحية". وروحية هذه وحيدته وقد رزقها بعد إحدى عشرة سنة من زواجه تقريبا، وكان بها شغفًا مولعًا ما كان يفارقها حتى في عمله. وقد شبت وترعرعت، وأسماها" روحية" لأنها كانت تحتل من نفسه منزلة الروح. فاستغربنا وسألناه: ومتى توفيت؟ فقال: اليوم قبيل المغرب. فقلنا: ولماذا لم تخبرنا فنخرج من منزل آخر بالموكب؟ فقال: وما الذي حدث، لقد خفف عنا الحزن. وانقلب المأتم فرحا فهل تريدون نعمة من الله اكبر من هذه النعمة؟ وانقلب الحديث إلى درس تصوف يلقيه الشيخ شلبي، ويعلل وفاة كريمته بغيرة الله على قلبه، فإن الله يغار على قلوب عباده الصالحين أن تتعلق بغيره، أو تنصرف إلى سواه. واستشهد بإبراهيم عليه السلام؟ وقد تعلق قلبه بإسماعيل فأمره الله أن يذبحه، ويعقوب عليه السلام: إذ تعلق قلبه بيوسف فأضاعه الله منه عدة سنوات.. ولهذا يجب ألا يتعلق قلب العبد بغير الله تبارك وتعالى، وإلا كان كذابا في دعوى المحبة، وساق قصة الفضيل بن عياض وقد أمسك بيد ابنته الصغرى فقبلها فقالت له: يا أبتاه أتحبني؟ فقال: نعم يا بنية. فقالت والله ما كنت أظنك كذابا قبل اليوم. فقال: وكيف ذلك؟ وكم كذبت؟ فقالت: لقد ظننت أنك بحالك هذه مع الله، لا تحب معه أحدا. فبكى الرجل وقال: يا مولاي حتى الصغار قد اكتشفوا رياء عبدك الفضيل؟ وهكذا من الأحاديث التي كان الشيخ شلبي يحاول أن يسري

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت