فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 272

وجاء الدور العملي بعد هذا الاستعداد العلمي فعرضت عليهم أن نخرج للوعظ في القهاوي فاستغربوا ذلك وعجبوا منه وقالوا: إن أصحاب القهاوي لا يسمحون بذلك ويعارضون فيه لأنه يعطل أشغالهم، وإن جمهور الجالسين على هذه المقاهي قوم منصرفون إلى ما هم فيه وليس أثقل عليهم من الوعظ فكيف نتحدث في الدين والأخلاق لقوم لا يفكرون إلا في هذا اللهو الذي انصرفوا إليه؟؟ وكنت أخالفهم في هذه النظرة وأعتقد أن هذا الجمهور أكثر استعدادا لسماع العظات من أي جمهور آخر حتى جمهور المسجد نفسه. لأن هذا شيء طريف وجديد عليه والعبرة بحسن اختيار الموضوع فلا نتعرض لما يجرح شعورهم، وبطريقة العرض فتعرض بأسلوب شائق جذاب، وبالوقت فلا نطيل عليهم القول.

ولما طال بنا الجدل حول هذا الموضوع قلت لهم: ولم لا تكون التجربة هي الحد الفاصل في الأمر؟ فقبلوا ذلك وخرجنا فبدأنا بالقهاوي الواقعة بميدان صلاح الدين، وأول السيدة عائشة ومنها إلى القهاوي المنتشرة في أحياء طولون إلى أن وصلنا من طريق الجبل إلى شارع سلامة، والسيدة زينب، وأظنني ألقيت في هذه الليلة أكثر من عشرين خطبة تستغرق الواحدة منها ما بين خمس دقائق إلى عشرة.

ولقد كان شعور السامعين عجيبا، وكانوا ينصتون في إصغاء ويستمعون في شوق، وكان أصحاب المقاهي ينظرون بغرابة أول القول، ثم يطلبون المزيد منه بعد ذلك، وكان هؤلاء يقسمون بعد الخطبة أننا لا بد أن نشرب شيئًا أو نطلب طلبات، فكنا نعتذر لهم بضيق الوقت، وبأننا نذرنا هذا الوقت لله فلا نريد أن نضيعه في شيء. وكان هذا المعنى يؤثر في أنفسهم كثيرًا، ولا عجب فإن الله لم يرسل نبيًا ولا رسولا إلا كان شعاره الأول"قل لا أسألكم،عليه أجرا" لما لهذه الناحية العفيفة من أثر جميل في نفوس المدعوين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت