فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 272

لقد نجحت التجربة مائة في المائة، وعدنا إلى مقرنا في شيخون، ونحن سعداء بهذا النجاح، وعزمنا على استمرار الكفاح في هذه الناحية. وكنا نتعهد الناس بالموعظة العملية على هذه الطريقة في كثير من الأحيان. وقد وجدت في هذا المعنى بعض العزاء عن الغيبة عن الجمعية الحصافية التي انحلت شكلا في المحمودية، وإن بقي أعضاؤها اخوة يعمل بعضهم مع بعض للإسلام وتجمعهم الطريقة الحصافية على العبادة والذكر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويثير في أنفسهم الحمية بين الفينة والفينة نشاط الإرسالية الإنجليزية التي ألقت عصاها واستقر بها النوى في هذا البلد الأمين، الذي لم يصب من قبل بهذا البلاء المحيط، وكان أولى بهذه الإرساليات أن تقصد إلى بلاد الوثنيين لا أن تقيم في ديار المسلمين، وهم أصدق إيمانًا وأصح لله توحيدا، وأطيب قلوبا وأسلم صدورا، ولله في خلقه شئون.

في حجرة الدرس

ولم تكن الدراسة في دار العلوم حينذاك دراسة جامدة بل كان للسن في الطلاب والمدرسين وللمرحلة العلمية التي يجتازونها حكمها، فكثيرا ما كنا نتناول بين حجرات الدراسة كثيرا من الشئون العامة في السياسة والاجتماع حتى في دقائق المسائل الخاصة بالطلاب والمدرسين.

كانت فورة السياسة غالبة في مصر إذ كان هناك الانقسام بين الوفديين والأحرار الدستوريين، وما تلا ذلك من حوادث الائتلاف والاختلاف والوساطات بين المختلفين، وما كانت تسفر عنه من نجاح الطلاب أحيانا وفشل أخرى. وكانت هذه المعاني كلها موضع أحاديث الطلاب والأساتذة وتعليقهم، ولم يكن الأساتذة يبخلون على الطلاب ببيان آرائهم واضحة.

وكانت هناك كذلك آراء دينية يختلف فيها الطلاب مع الأساتذة وتكون موضع الحديث والنقاش والجدل في حرية وأدب كامل. ولا زلت أذكر كيف كنا نحترم هؤلاء الأساتذة الفضلاء ونوقرهم إلى درجة أننا كنا نتحاشى المرور أمام حجرة اجتماعهم مع أنها كانت في طريقنا إلى الفصول، وهذا مع الحرية التامة والمعاملة الطيبة والصلات الروحية القوية التي كانت بيننا وبينهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت