فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 272

"وأعتقد أن قومي - بحكم الأدوار السياسية التي اجتازوها، والمؤثرات الإجتماعية التي مرت بهم وبتأثير المدنية الغربية، والشبه الأوروبية، والفلسفة المادية، والتقليد الفرنجي - بعدوا عن مقاصد دينهم، ومرامي كتابهم، ونسوا مجد آبائهم، وآثار أسلافهم، والتبس عليهم هذا الدين الصحيح بما نسب إليه ظلمًا وجهلًا، وسترت عنهم حقيقته الناصعة البيضاء، وتعاليمه الحقيقية السمحة، بحجب من الأوهام يحسر دونها البصر، وتقف أمامها الفكر، فوقع العوام في ظلمة الجهالة، وتاه الشبان والمتعلمون في بيداء حيرة وشك، أورثا العقيدة فسادًا، وبدلا الإيمان إلحادًا... !".

"وأعتقد كذلك أن النفس الإنسانية محبة بطبعها، وأنه لا بد من جهة تصرف إليها عاطفة حبها، فلم أر أحدا أولى بعاطفة حبي من صديق امتزجت روحه بروحي فأوليته محبتي، وآثرته بصداقتي"

"كل ذلك أعتقده عقيدة تأصلت في نفسي جذوتها، وطالت فروعها، واخضرت أوراقها، وما بقي إلا أن تثمر، فكان أعظم آمالي بعد إتمام حياتي الدراسية أملان:

"خاص": وهو إسعاد أسرتي وقرابتي، والوفاء لذلك الصديق المحبوب ما استطعت لذلك سبيلًا، وإلى أكبر حد تسمح به حالتي، ويقدرني الله عليه.

"وعام": وهو أن أكون مرشدًا معلمًا، إذا قضيت في تعليم الأبناء سحابة النهار، ومعظم العام قضيت ليلي في تعليم الآباء هدف دينهم، ومنابع سعادتهم، ومسرات حياتهم، تارة بالخطابة والمحاورة، وأخرى بالتأليف والكتابة، وثالثة بالتجول والسياحة.

وقد أعددت لتحقيق الأول معرفة بالجميل، وتقديرًا للإحسان و" هل جزاء الإحسان إلا الإحسان" ولتحقيق الثاني من الوسائل الخلقية: " الثبات والتضحية" وهما ألزم للمصلح من ظله، وسر نجاحه كله، وما تخلق بهما مصلح فأخفق إخفاقًا يزري به أو يشينه، ومن الوسائل العملية: درسًا طويلًا، سأحاول أن تشهد لي به الأوراق الرسمية، وتعرفًا بالذين يعتنقون هذا المبدأ، ويعطفون على أهله، وجسمًا تعود الخشونة على ضآلته، وألف المشقة على نحافته، ونفسًا بعتها لله صفقة رابحة، وتجارة بمشيئته منجية، راجيًا منه قبولها، سائله إتمامها، ولكليهما عرفانًا بالواجب وعونا من الله سبحانه، أقرؤه في قوله: " إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم".

"ذلك عهد بيني وبين ربي، أسجله على نفسي، وأشهد عليه أستاذي، في وحدة لا يؤثر فيها إلا الضمير، وليل لا يطلع عليه إلا اللطيف الخبير" ومن أوفي بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرأ عظيما".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت