فهرس الكتاب
وأذكر أنني ضربت لهم مثلا عمليا فقلت لهم: أيكم حنفي المذهب؟ فجاءني أحدهم فقلت: وأيكم شافعي المذهب؟ فتقدم آخر، فقلت لهم: سأصلي إماما بهذين الأخوين فكيف تصنع في قراءة الفاتحة أيها الحنفي؟ فقال أسكت ولا أقرأ، فقلت وأنت أيها الشافعي ما تصنع؟ فقال أقرأ ولا بد. فقلت: وإذا انتهينا من الصلاة فما رأيك أيها الشافعي في صلاة أخيك الحنفي؟ فقال باطلة لأنه لم يقرأ الفاتحة وهي ركن من أركان الصلاة. فقلت وما رأيك أنت أيها الحنفي في عمل أخيك الشافعي؟ فقال لقد أتى بمكروه تحريما فإن قراءة الفاتحة للمأموم مكروهة تحريما. فقلت هل ينكر أحدكما على الآخر؟ فقالا: لا. فقلت للمجتمعين: هل تنكرون على أحدهما؟ فقالوا: لا، فقلت: " يا سبحان الله يسعكم السكوت في مثل هذا وهو أمر بطلان الصلاة أو صحتها، أولا يسعكم أن تتسامحوا مع المصلي إذ قال في التشهد اللهم صل على محمد أو اللهم صل على سيدنا محمد وتجعلون من ذلك خلافا تقوم له الدنيا وتقعد" وكان لهذا الأسلوب أثره فأخذوا يعيدون النظر في موقف بعضهم من بعض، وعلموا أن دين الله أوسع وأيسر من أن يتحكم فيه عقل فرد أو جماعة وإنما مرد كل شيء إلى الله ورسوله وجماعة المسلمين وإمامهم إن كان لهم جماعة وإمام.
مجتمع الإسماعيلية
قضيت على هذا الأسلوب أكثر من نصف العام الأول الدراسي بالإسماعيلية، أعني ما بقي من سنة 1927 ثم أوائل سنة 1928 الميلادية، وقد كان هدفي في هذه الفترة دراسة الناس والأوضاع، دراسة دقيقة ومعرفة عوامل التأثير في هذا المجتمع الجديد. وقد عرفت أن هذه العوامل أربعة: العلماء أولا، وشيوخ الطرق ثانيا، والأعيان ثالثا، والأندية رابعا.
فأما العلماء فقد سلكت معهم مسلك الصداقة والتوقير والإجلال الكامل، وحرصت على ألا أتقدم أحدا منهم في درس أو محاضرة أو خفة، وإذا كنت أدرس وقدم أحدهم تنحيت له وقدمته إلى الناس، وكان لهذا الأسلوب أثره في أنفسهم فظفرت منهم بالكلمة الطيبة.