فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 272

ومن النكات اللطيفة أن أحد قدامى المشايخ الذين قضوا بالأزهر الشريف سنوات طوالا على نظامه الأول تقريعا - وكان من المولعين بالجدل والنقاش ومحاولة إحراج الوعاظ والعلماء والمدرسين بطرح مسائل غير مطروقة والتعرض لمعان وموضوعات مما تضمنته الحواشي القديمة والتقارير الدقيقة العميقة - حاول إحراجي ذات يوم وأنا أقص قصة إبراهيم الخليل عليه السلام على الناس، فسألني عن اسم أبيه فابتسمت وقلت له: " يا مولانا الشيخ عبد السلام - رحمه الله - قالوا: إن سمه" تارخ" وإن آزر عمه والقران يقول إن آزر أبوه ولا مانع من أن يكون عمه لاستخدام ذلك في لغة العرب، وقد قال بعض المفسرين إن آزر اسم للصنم لا لأبيه ولا لعمه وإن التقدير: إذ قال إبراهيم لأبيه اترك آزر أتتخذ أصناما آلهة" - ونطقت بكلمة تارخ بكسر الراء - ولما كان هذا البيان شافيا لأمثالي، رغم إيجازه، لم يشأ أن يدع الموقف يمر في هدوء فقال: ولكن اسم أبيه تارخ بضم الراء لا بكسرها. فقلت: فليكن وهو اسم أعجمي على كل حال وضبطه الصحيح يتوقف على معرفة هذه اللغة، والمهم العظة والعبرة. وأراد هذا الشيخ رحمه الله أن يتخذ معي هذا الأسلوب في كل درس، ومعنى هذا أن يهرب العامة والمستمعون من هذا الجدل العقيم ويدعون للشيخين هذا الميدان الذي لا خير فيه، فكرت في علاج الشيخ فدعوته إلى المنزل وأكرمته وقدمت له كتابين في الفقه والتصوف هدية وطمأنته على أنني مستعد لمهاداته بما شاء من الكتب، فسر الرجل سرورا عظيما وواظب على حضور الدرس والإصغاء إليه إصغاء تاما ودعوة الناس إليه في إلحاح فقلت في نفسي: صدق رسول الله: " تهادوا تحابوا" واستمرت هذه الطريقة ناجحة إلى حين، وللنفوس تقلباتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت