فهرس الكتاب
وأما رجال الطرق فقد كانوا كثرة كثيرة في هذا البلد الطيبة قلوب أهله وكان يتردد عليهم الكثير من الشيوخ. ولا أنسى مجالس الشيخ حسن عبد الله المسلمي والشيخ عبود الشاذلي، والشيخ عبد الوهاب الدندراوي وغيرهم. وفي هذه الفترة زار الإسماعيلية الشيخ عبد الرحمن سعد وهو من خلفاء الشيخ الحصافي، فهو أخونا في الطريق حينذاك، وكان يدرس ويعظ، ويرأس بعد ذلك حلقة الذكر. فقصد المسجد ولم اكن أعرفه ولا يعرفني ودرس ووعظ، ثم دعا الناس إلى الذكر، فرأيت أسلوب الطريقة الحصافية وتعرفت إليه أخيرا. ولكن الحق أنني لم أكن متحمسا لنشر الدعوة على أنها طريق خاص لأسباب أهمها: أنني لا أريد الدخول في خصومة مع أبناء الطرق الأخرى، وأنني لا أريد أن تكون محصورة في نفر من المسلمين، ولا في ناحية من نواحي الإصلاح الإسلامي، ولكني حاولت جاهدا أن تكون دعوة عامة قوامها العلم والتربية والجهاد، وهي أركان الدعوة الإسلامية الجامعة ومن أراد بعد ذلك تربية خاصة فهو وما يختار لنفسه، ولكني مع هذا أكرمت الشيخ عبد الرحمن وأحسنت استقباله، ودعوت الراغبين في الطريق إلى الأخذ عنه والاستماع إليه حتى سافر. كما تعرفت في هذه الفترة إلى السيد محمد الحافظ التيجاني الذي جاء إلى الإسماعيلية خصيصا ليحذر من دسائس البهائيين ومكايدهم، وقد كان لهم في هذا الوقت دعوة ودعاة في هذه النواحي، تقوى وتشتد وتنتشر، فأبلى البلاء الحسن في تحذير الناس منهم، وكشف خدعهم وأباطيلهم والرد عليهم، وقد أعجبت بما رأيته من علمه وفضله ودينه وغيرته وناقشته طويلا - وكنا نسهر ليالي عدة - فيما يأخذ الناس على التيجانية من غلو ومبالغة ومخالفات، فكان يؤول ما يحتمل التأويل، وينفي ما يصطدم بالعقيدة الإسلامية الصافية ويبرأ منه أشد البراءة. كانت طريقتي مع هؤلاء الشيوخ الكثيرين الذين يزورون الإسماعيلية أن أتأدب معهم بأدب الطريق وأخاطبهم بلسانهم، ثم إذا خلونا معا شرحت لكل منهم حال المسلمين وجهلهم بأوليات دينهم، وتفكك رابطتهم، وغفلتهم عن مصالحهم الدينية والدنيوية، وما يهددهم من أخطار جسام في كيانهم الديني بزحف الإلحاد والإباحية على معسكراتهم ، وفي كيانهم الدنيوي بغلبة الأجانب على خيرات بلادهم، وكان المعسكر غرب الإسماعيلية ومكاتب شركة قناة السويس في شرقها مددا لا ينضب من الأمثلة على ذلك، ثم أذكرهم بالتبعة التي على كاهلهم لهؤلاء الأتباع الذين وثقوا بهم وأسلموهم قيادهم، ليدلوهم على