فهرس الكتاب
كان أعيان الإسماعيلية في هذا الوقت يمثلون فكرتين - على أثر ذلك الخلاف الديني الذي أوجده خلاف المشايخ في بعض الآراء - والحقيقة أنه كان للمعاني الشخصية والعائلية الأثر الكبير في توجيه هذا الخلاف كما هي العادة في المجتمع المصري. وكان لا بد للموظف الذي ليس من أهل البلد أن يتصل بأعيانها، وأن يغشى بيوتهم وقد انقسم الموظفون الذين يتصلون بهؤلاء الأعيان إلى معسكرين تقريبا، وكل من يتصل بهم ولكنى كنت أشعر أن طبيعة الدعوة الشاملة، وهي دعوة إخاء ومودة، تفرض على أن أتصل بالطرفين جميعا، وأن يكون هذا الاتصال في وضوح وجلاء، فكنت إذ دخلت بيت زعيم أحد الفريقين تعمدت أن أقول شيئا عن منافسه فلان، وأنه لا يضمر له إلا الخير، ويذكره بالخير كذلك. وأن من واجبهما أن يتعاونا على ما فيه مصلحة بلدهما، وأن الإسلام يأمر بهذا، إلى غير ذلك من أمثال هذه المعاني. وإذا سمعت من ينتقص أحد الفريقين في منزل الآخر رددت عليه بأن من الخير أن يكون واسطة التوفيق، وألا ينقل من الكلام إلا ما يعينه على ذلك، وأنه لا ضرورة للتورط في الغيبة، وهي إثم كبير، وهكذا.. ولا شك أن هذا الكلام كله كان ينقل للطرف الثاني، كا هي العادة في البلد الصغير - مع الأسف - فيسر به. وبهذا الأسلوب استطعت أن أظفر بصداقة الطرفين واحترامهما جميعا. ولقد كان لهذا الأسلوب أثره في اجتماع الطبقات المختلفة على دعوة الإخوان حين نشأت بعد ذلك.
الأندية
كان في الإسماعيلية في ذلك الحين نادى العمال الذي أنشأته جمعية التعاون، والذي ما زال قائما يؤدي رسالة طيبة في محيط العمال الاجتماعي، وكان فيه نخبة من الشباب المثقف، الذي يريد أن يستمع ويتعلم، وكان هناك كذلك فرع جمعية منع المسكرات تلقي فيه بعض المحاضرات والأحاديث المتعلقة بهذا الغرض، وقد انتهزت هذه الفرصة، واتصلت بالناحيتين، وأخذت ألقي بعض المحاضرات الدينية والاجتماعية والتاريخية، التي كانت سببا في تهيئة نفوس كثير من المثقفين للدعوة المستقبلية.
عودة إلى القاهرة
ورغم الاهتمام الكامل بتدعيم الفكرة، وتهيئة النفوس لها في الإسماعيلية، فإن ذلك لم يحل بيني وبين الإهتمام بسير التيار الإسلامي الضعيف - حينذاك - واتجاهاته في القاهرة، فكنت على صلة تامة بمجلة الفتح، وكنت أعمل جاهدًا على نشر الدعوة لها في الإسماعيلة، والإكثار من مشتركيها باعتبارها شعاع النور الأول الذي يسير العاملون للحركة الإسلامية في ضوئه.