فهرس الكتاب
والبراء على مثل هذه الأغلوطات، وربما استقر في ذهن الشاب (حديث السن) معنى قريب فتشبث به وجادل حوله، وأضاع فيه أثمن سني عمره، إذ كان خليقًا أن يصرف في البناء والتكوين العلمي والسلوكي.
إن التصحيح والبيان واجب على أهله الذين هم أهله، ممن يملك العلم والرحمة معًا (آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علمًا) ، ولقد يدرك أولو الألباب الجهود الإسلامية التي يأكل بعضها بعضًا، ويدمر بعضها بعضًا، مع مسيس الحاجة إليها والعجز المستحكم عن مدافعة العدو الصريح الذي سلب الديار، ونهب الأموال، وصار يتدخل في خصوصيات المسلمين ومعاقد حياتهم، وأظهر منه ضعف تبليغ الإسلام إلى البشرية، ففي الوقت الذي يحتدم الجدل والتمحك بيننا في مسائل ما كانت لتبلغ ما بلغت لولا أننا ألححنا عليها وأكثرنا من الدوران حولها، في الوقت نفسه يظل أربعة من كل خمسة في الأرض كلها من غير المسلمين، وممن لم تبلغهم رسالة الإسلام غالبًا.
ونحن نرى أن هذه وتلك هي المعارك الجادة التي يجب أن نتأهل لها، أما العراك مع إخواننا فنؤثر طيه وتجاوزه، وقبول العذر، وإحسان الظن، ونؤثر لكل شاب يجر إلى مثل هذه المنازلات ألا ينجر إليها بحال، وأن يؤثر العفو والصفح والتسامح، وعدم أخذ الأمر بالشدة، وللإخوة الذين يقولون إنهم يدافعون عن بعض الدعاة أو يحمون أعراضهم أقول: أحسنتم وأجملتم، ولكن كان أولى بكم أن تنشغلوا بما هو أهم من ذلك من الدفاع عن الإسلام والعقيدة، وتصحيح أحوال المسلمين، أو دعوة غير المسلمين أو بناء الدنيا أو بناء الدين.
إنه قد لا يضير إنسانًا أن يموت موحدًا، ولكنه يسيء الظن بي عن اجتهاد، أو عن تقليد لمن ظهر له صلاحه، ولكنه يضيره أن يموت جاهلًا بالله أو بدينه وشريعته، أو بكتابه، أو برسله. وإذ نحن مسلّمون بمحدودية الجهد الذي نبذله فلم لا نختار له أهم المواقع وأنفعها؟
المسألة الأخرى التي وردت في سؤال السائل الغيور وفقه الله هي أنني أقول بالتفريق بين (الفرقة الناجية) و (الطائفة المنصورة) وأنني أزعم أن ابن باز رحمه الله وافقني على ذلك ولكن الشيخ نفاه، وقال بأنهما واحد.
وبحث هذه المسألة لا بأس به، فهي من المسائل العلمية التي لا يخلو تأملها من فائدة، ولكنها ليست من المسائل الكبار، بل هي من جنس بحث العلماء في التوفيق بين الأحاديث، كما صنع الطحاوي وابن قتيبة وابن حجر وابن تيمية والنووي وغيرهم، ومن جنس بحث المفسرين في دلالات الألفاظ القرآنية وتطابقها أو تفاوتها، فإن أفراد هذه المسائل قد يعرض للناظر فيها بعض التردد، أو الخطأ غير المقصود، وهذا مرفوع حرجه عن الأمة، كما في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، والقائل فيه باجتهاد بين أجر وأجرين.
وقد تكلم أهل العلم فيما هو أولى بالنظر من ذلك كمسألة الفرق بين الإسلام والإيمان، فمنهم من قال: هذا هذا، ومنهم من حمل كلًا على معنى، ومنهم من فرق في حال دون حال،