فهرس الكتاب
وبكل قال أئمة ذوو قدر واعتبار، ولا تعنيف على أحد منهم فيما ذهب إليه؛ لأن المسألة علمية لها دقة وخصوص، وقد بسط القول فيها ابن تيمية في كتاب الإيمان. ومثله كلام المفسرين حول المقتصد والظالم لنفسه والسابق بالخيرات.
وما أبديته في بحثي المطبوع ضمن (رسائل الغرباء) هو نوع من التفسير للنص، وهو عندي صواب يحتمل الخطأ، وعند الأخ السائل خطأ لعله يحتمل الصواب إن شاء الله، إذ لا قطعية في هذه المسألة، وليست من معاقد الإجماع، بل هي من موارد الظنون.
وكأن بعض الناس أطلق أنني أقول: هذه غير تلك، ولم يفصح عن المعنى، والحق أنني أذهب إلى العموم والخصوص، وأزعم أن الطائفة المنصورة هي بعض الفرقة الناجية، فالفرقة أعم، والطائفة أخص، والنجاة حاصلة لكثير من المسلمين، ولو كانوا غير منصورين، فالصحابة الذين اختلفوا وتنازعوا كلهم ناجون، ومنهم المنصور ومنهم غير المنصور، ويحسن مراجعة كلام ابن تيمية في هذا المعنى في الفتاوى (4/ 443 - 450، 467 - 470) .
وهذا المعنى ثابت في الكتاب المنزل في قوله عز وجل:"وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون" [التوبة: 122] .
فجعل الطائفة جزءًا من الفرقة وأخص منها، وهذا معروف لغة أن الطائفة أقل، حتى يقال: طائفة الثوب، وطائفة النخل، وقد يسمى الواحد طائفة كما في آية النور عند بعض المفسرين"وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين" [النور:2] .
وساعد على هذا القول أن اللفظين مختلفان في دلالتهما وفي وصفهما، فهذه فرقة، وتلك طائفة، وهذه ناجية، وتلك منصورة، واختلاف المبنى يدل على تفاوت في المعنى، وكان هذا هو الأصل، والله أعلم.
وبكل حال يعلم بأنني لا أقول: إن هذه غير تلك كما قد يلتبس على قوم، ولكنني أقول: هذه (من) تلك، أي: بعضها، فقد يقع لقوم النجاة من الانحراف دون النصرة، ويقع لآخرين هذا وهذا. وقد بسطت القول في غير هذا الموضع، ولا أرى الإطالة في المسالة، فهي مبحث عارض يحسن تجاوزه، والقول بأنهما لفظان مترادفان لا فرق بينهما البتة له وجه.
وقد علق على البحث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله في سلسة الأحاديث الصحيحة (1/ 932) : [[وأما ما أثاره في هذه الأيام أحد إخواننا الدعاة من التفريق بين (الطائفة المنصورة) و (الفرقة الناجية) فهو رأي له لا أراه بعيدًا عن الصواب، فقد تقدم هناك النقل عن أئمة الحديث في تفسير الطائفة المنصورة أنهم أهل العلم بالحديث وأصحاب الآثار، وبالضرورة تعلم أنه ليس كل من كان من الفرقة الناجية هو من أهل العلم بعامة بل من أهل العلم بالحديث بخاصة، ألا ترى أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هم الذين يمثلون الفرقة الناجية؛ ولذلك أمرنا بأن نتمسك بما كانوا عليه، ومع ذلك فلم يكونوا جميعًا