الصفحة 170 من 280

همٌ بحثوا عن زلتي فاجتنبتها ... وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا

وبعض الناس قد يركب متن الخطأ إصرارًا وعنادًا واستكبارًا، وهذا ضعف في الشخصية، ونقص في الثقة بالنفس، وآخرون قد يتنصلون، ويتراجعون، ويعتذرون عن الصواب، أو ينطقون بالخطأ وقصدهم حماية أنفسهم، أو السلامة من لسان فلان وفلان، وهذا أيضًا ضعف في الشخصية، ونقص في الثقة، وقلة أمانة. كما نستفيد من خصمنا الاعتياد على سماع النقد، بل والسب والشتم والاتهام والجرح، ولا أحد يسلم قط، ومن تعود على سماع المديح المحض والثناء والإطراء ربما ثقل عليه سماع النقد والملاحظة، حتى لو كانت من وادّ ناصح، وبأسلوب لين، وحتى لو كانت حقًا جليًا، وربما كان سماع الثناء المجرد سببًا في إعجاب المرء بنفسه، وذهابه وتيهه، والله أعلم بعباده.

والذي نختاره لإخواننا الشباب في بلاد العرب، وفي بلاد المهجر، وفي كل موقع، ألا يدافعوا إلا عن دينهم، ولا يشغلوا أنفسهم إلا بالحق، حتى لو سمعوا من يتكلم، أو يزيّف أو يتهم، وحتى لو رأوا أن الناس اقتنعوا بما يقول هذا وأجلبوا وراءه، وتناولوا فلانًا وفلانًا بالعيب والثلب، فالأمر هين، ومسائل الأشخاص والأعيان لا يجب أن تكون ميدان خصومة ولغط، والكف والإعراض أولى.

ونختار أيضًا: العمل الجاد المثمر، تعلمًا، وتعليمًا، ودعوة، وتعاونًا بين العاملين، وسعيًا في التربية والإصلاح، وانتماء حقًا للأمة بشمولية هذا الانتماء وعمقه وامتداده، مشاركة في ميادين الخير، إعلامًا، واقتصادًا، ونشاطًا اجتماعيًا، وتنمية للمواهب والطاقات، ورعاية للإبداع.

إن هذه الأغلوطات والمسائل الصغيرة لا تنمي عقلًا، ولا تبني ثقافة، ولا تؤسس علمًا، ولا تشيد بناءً، ولا تحفظ ودًا، ولا تصلح فاسدًا، ولا تقيم معوجًا، ولو أن امرأً شغل نفسه وحياته بسب فرعون وهامان وقارون وأبي جهل وأبي لهب ورؤوس الكفر والشرك، فهو يسبهم ويفضحهم ويلعنهم، لكان مذمومًا ملومًا على تفريطه بالطاعات، وتركه للواجبات، وانشغاله عن ذكر الله - تعالى- بذكر فلان وفلان، ولربما مات مسلم لا يعرف هؤلاء، ولم يسمع بأسمائهم فكان من أهل الدرجات العلا، وهذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه:"لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء"رواه الترمذي (1982) ، وأحمد (18210) وفي رواية:"فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا"أخرجه البخاري (1393) عن عائشة -رضي الله عنهما- قال هذا في أبي جهلٍ فرعون هذه الأمة.

إن النفس المشغولة بالبحث عن عثرات الناس وجمعها ومحاصرتهم بها نفس مريضة ولا بد، والنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله، ومن ظلم المرء لنفسه أن يختصر الآخرين في زلاتٍ محدودة، فإن النفس البشرية فيها من العمق والاتساع والتنوع ما يجعل كل إنسان فيه جوانب من الخير لو فُعّلت واستخرجت ووظفت لكان من ورائها خير كثير، ولذلك كان المصلحون نابغين في هذا الجانب، جانب تحريك الخير الكامن في نفوس الناس، وهذا يكون بالثناء المعتدل الصادق، مثلما تجده في ثناء النبي - صلى الله عليه وسلم- على قبائل، وأحياء، وأعيان،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت