فهرس الكتاب
وإن كان تعظيمهم له بأنه عيد من أعيادهم يظهرون فيه الفرح والأكل والشرب ندب إلى صيامه.
فالحاصل: أن الحرمة لا تعلق لها بذات السبت، ولكن بظرفه وما يقع فيه؛ لأن الأمر يدور على قاعدة:"المخالفة وعدم التشبه". أما المسلم غير المساكن فيبقى الحكم عنده على الكراهة الأصلية. والله أعلم.].
• [الأقوال في إفراد يوم السبت بصوم] :
[ق1] يعني يكره إفراد السبت، هذا هو المشهور في المذهب، واستدلوا بحديث (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء شجرة أوعود عنبة فليمضغه) .
والحديث رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه، فهذا الحديث في المشهور في المذهب دال على النهي عن أفراد يوم السبت وعلى كراهية ذلك، وهذا أيضا هو مسلك الترمذي رحمه تعالى، فالحديث يُحمل عنده على النهى عن الإفراد، فيكون عندئذ كيوم الجمعة، لكن لو صامه لمعنى يوم عرفة أو لمعنى يوم عاشوراء أو كان يصوم يوما ويفطر يوما فلا بأس بذلك.
[ق2] والمسلك الآخر، وهو مسلك أكثر أهل العلم، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن يتيمة رحمه الله: أنه لا يكره صيام يوم السبت لا مفردًا، بل له أن يصومه وإن أفرده بالصيام.
وأما هذا الحديث فإنه كما قال شيخ الإسلام: إما منسوخ وإما شاذ، وقد ذكر النسخ أيضا أبو داود رحمه الله تعالى. وذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى كما في شرحه للعدة: أن ظاهر هذا الحديث يخالف الإجماع، وإن كان قد ذهب بعض كبار العلماء من المتأخرين إلى القول بظاهره، لكن هذا القول مسبوق بهذا الإجماع الذي ذكره شيخ الإسلام رحمه الله، ولذا قال الأثرم رحمه الله تعالى:"جاء هذا الحديث ثم جاءت الأحاديث كلها بخلافه"وذكر أنه روي عن السلف أنهم أنكروه، وممن نص على عدم صحته من الإئمة يحيى بن سعيد والزهري والإمام مالك والنسائي وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهم الله تعالى، بل قال الإمام مالك:"إنه كذب"؛ لأن الأحاديث كلها بخلافه:
1 -فإن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في صحيح البخاري: (أصمت أمس؟) قالت: لا، قال: (أتصومين غدا؟) قالت: لا، قال: (فأفطري) .
2 -وقال في البخاري: (لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده) وذلك يوم السبت.
3 -وكذلك صيام داود، وأنه كان يصوم يوما ويفطر يوما، ويدخل في ذلك صوم السبت.
4 -وكذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصوم شعبان كله إلا قليلا، وتدخل في ذلك أيام السبت.
5 -وكذلك شهر الله المحرم.
6 -وأيام البيض يدخل فيها أيضا في بعض الأشهر يوم السبت، إلى غير ذلك من الأحاديث.
? ثم إنه لا معنى للمنع من صيامه، فإن قيل: بل هو يوم تعظمه اليهود، فناسب أن يفطر، فيقال: أيضا يوم الأحد يوم تعظمه النصارى، بل قد روى الإمام أحمد في مسنده والحديث إسناده لا بأس به أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصوم السبت والأحد، ويقول: (إن هذين يومان تعظمهما اليهود والنصارى، فأحب أن أصومهما) .
? إذًا على ذلك الصواب: أنه لا مانع من صيامه مطلقا، وأما الحديث السابق فهو حديث فرد شاذ مخالف لسائر الأحاديث الواردة في هذا الباب، ولا يعضده أيضا المعنى، فإن يوم الجمعة وهو اليوم الذي يعظمه أهل الإسلام إنما ينهى عن إفراده، فكيف ينهى عن صيام يوم السبت إلا في اليوم الذي افترض، فيكون تحريمه أعظم، لأن ظاهر الحديث أنه حتى لو وافق عرفة أو عاشوراء أو كان في الأيام البيض أو وافق صوم يوم وفطر يوم، فإنه ينهى عن ذلك، وليس هذا ليوم الجمعة، فيكون المنع منه أشد، فهذا لا إشكال أنه لا مناسبة لذلك، فليس له من الشرع ما يعضده، فهو حديث فرد، لا توافقه الأحاديث، ولا توافقه أيضا قواعد ومعاني الشرع.
-قوله: [4 - والشك] :
• [المشيقح: لكن ما هو يوم الشك الذي نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صيامه؟.
للعلماء رأيان: