فهرس الكتاب
... وقد ثبت في الدراسات التربوية المعاصرة، أنه لو حضر جمع من الناس يستمعون إلى محاضرة عامة غير تخصصية فإن الثلث منهم فقط يستوعب معظم المحاضرة، والآخرون يكون استيعابهم على درجات متفاوتة، وتقل النسبة كلما كانت المحاضرة أكثر تخصصًا، إضافة إلى أن معظم المعلومات قد تنسى بعد بضعة أيام، كما أن ما يفهمه الشخص أول الأمر هو الذى يستقر في الذهن، غالبًا، حتى ولو تفهم الإنسان فيما بعد خطأ ذلك، ما لم يكن على درجة كبيرة من الوعى والانتباه، وغير ذلك من الأمور التربوية - التى يطول ذكرها وشرحها - مما له أثر على درجة الفهم والاستيعاب، ولكن تذكر هذه الحقيقة هنا لاستفادة المربين والقادة منها في جعل أفكارهم وأقوالهم في منتهى الوضوح والصراحة، وبأوضح الأساليب وأبسطها وأن تقدم المعلومات لأهلها فقط، ولا بأس بتكرار الفكرة بأساليب متعددة، وغير ذلك مما هو مبسوط في غير هذا الموضع (منها مثلًا شروح أحاديث البخارى من كتاب العلم) .. وكذلك يستفيد من هذه الحقيقة عموم الدعاة والأتباع في النظر إلى أقوال أهل الفضل وأعمالهم من القادة والأمراء. فقد تختلف عليهم بعض الأفكار وتلتبس عليهم بعض المفاهيم، خصوصًا إذا كان مستوى صاحب الفضل على درجة عالية من الكفاءة اللغوية أو المقدرة العلمية، وكذلك لابد من الانتفاع من هذه الحقيقة حتى في مخاطبة الأكابر وأهل الفضل، فقد يكون فضلهم في جانب، ولكن فيهم ضعف في جانب آخر0
... ولذلك وجب مخاطبة الناس على قدر أفهامهم -حتى ولو كانوا أصحاب فهم وفضل - في المسائل التى لا يمكن لهم إدراكها لضعف في الفهم، أو لقلة التجربة حتى لا تكون فتنة لقول ابن مسعود: (ما من رجل يحدث قومًا حديثًا لا تدركه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم ) ) . لذا كان إعطاء كالعلم على قدر إدراك الأكابر له0