فهرس الكتاب
... وميزان العدل قد لا يتحقق إلا بالتواصى بالحق في الجماعة المسلمة، حيث يوصى كل داعية أخاه بالمعروف، وينبهه إلى الخير، ويأمره باجتناب النواهى، والمؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى، ولابد من أن يأخذ التواصى بالحق مظهر الحوار البناء، والنقاش المثمر، والنقد الموضوعى لجميع الأعمال الشخصية منها أو الجماعية، وبالتالى يظل الصف نظيفًا باستمرار، وتتعرض الجماعة للإصلاح الدائم، وتجلب القافلة البركة للمسافرين فيها، إذ ستكون أخطاؤهم في حد أدنى مما لو كانوا خارجها، ولهذا كان حرص الحكماء دومًا على أخوة الطريق التى تنبه على الخير، فهذا عبد الملك بن مروان مع فقهه، وسعة ملكه يقول: (كل لذات الدنيا قد بلغت، فلم يبق إلا أخ يسقط عنى مؤونة التحفظ) (1) 0
... ورويت عنه أيضًا: (وقد قضيت الوطر من كل شىء إلا من محادثة الإخوان في الليالى الزهر، على التلال العفر) (2) 0
... والحوار -فوق أنه مفيد ومثمر للعمل الدعوى - فهو مما يحتاجه الداعية، تمامًا كحاجة المسافر لحديث رفيق السفر، لقطع الملل، ودفع الضجر، وتهوين البعد، لأن الداعية هو الآخر بحاجة إلى من يدفع عنه كلل النفس، ومتاعب العمل، ونصب البدن، ومن جميل ما قيل قول سليمان بن عبد الملك:
... ( قد ركبنا الفاره .. ولبسنا اللين، وأكلنا الطيب حتى أجمناه، وما أنا اليوم إلى شىء أحوج منى إلى جليس يضع عنى مؤونة التحفظ، ويحدثنى بما لا يمجه السمع، ويطرب إليه القلب 00) 0
... (00 وهذا أيضًا حق وصواب، لأن النفس تمال، كما أن البدن يكل، وكما أن البدن إذا كل طلب الراحة، كذلك النفس إذا ملت طلبت الروح، وكما لابد للبدن أن يستمد ويستفيد بالجمام الذاهب بالحركة الجالبة للنصب والضجر، وكذلك لابد للنفس أن تتطلب الروح عند تكاثف الملل الداعى إلى الحرج00) (3) 0
(1) الزهرة لأبى بكر الأصفهانى: 1/40 0
(2) الإمتاع والمؤانسة لأبى حيان: 1/26 0
(3) المراجع السابق: 1/27 0