فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 380

... وهذه المراتب الثلاث لا تعتمد فقط على قدرة الآمر والناهى، وإنما تعتمد أيضًا على الظروف الملابسة للأمر والنهى من ناحية الزمان والمكان، وما يغلب على الظن الراجح من استجابة المأمور لذلك، وفى معرفة أحواله، واحتمال استجابته، وكذلك في عدم تفويت معروف أهم، أو منكر أشد، وكذلك لا يتم الأمر والنهى عند تفويت مصالح أرجح، أو جلب المفاسد الكبرى0

... (وقال تعالى: { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن } (النحل: 125) جعل سبحانه مراتب الدعوة بحسب مراتب الخلق، فالمستجيب القابل الذكى الذى لا يعاند الحق ولا يأباه يدعى بطريق الحكمة، والقابل الذى عنده نوع غفلة وتأخر يدعى بالموعظة الحسنة، وهى الأمر والنهى المقرون بالرغبة والرهبة، والمعاند يجادل بالتى هى أحسن00 (1) 0

... فيوضح هذا النص، أن المراتب قد لا تكون بحسب القدرة فقط، بل إنما على مراتب الخلق. وفى بعض الأحيان، ينزل إلى مرتبة أدنى لطبيعة المنكر ذاته، فقد يتحول الناهى من اليد إلى اللسان، لأن نوع المنكر ليس مما يغير باليد، والتغيير باليد مشروط بالقدرة، وعند تجاوز الحد المطلوب، وأن لا يقود إلى مفسدة أكبر، والامتناع عن الاستمرار فيه بمجرد اندفاع المنكر، والآحاد من الناس لا يحق لهم شهر السلاح مهما اشتد المنكر، أما إذا وصل المنكر إلى درجة كبيرة، ولا يزال إلا بأعوان يشهرون السلاح، فلا يزال إلا بسلطة تحمل الحق وتدعو إليه، فيكون لها الإذن الشرعى بذلك0

... إن بعض ما يتغير باليد أو بالقوة قد يعجز عنه الفرد فتقوم به جماعة، وقد يعجز عنه المحكوم فيقوم به الحاكم، وقد لا يندفع إلا بالتمكين في الأرض فينبغى العمل من أجل ذلك، فيسقط إثم التخلف عن إزالة المنكر بمجرد السعى لإقامة التمكين لدين الله تعالى في الأرض0

القاعدة الذهبية

(1) مفتاح دار السعادة: 1/153 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت