فهرس الكتاب
و عن أُسيد بن حُضير أنه قرأ من الليل سورة البقرة، فإذا هو مثل الظُلَّة فيها أمثالُ المصابيح عَرَجَتْ الى السماء حتى ما يراها، فَلَمَّا أصبح حَدَّثَ النبي صلى الله عليه بذلك، فقال: تلكَ الملائكةَ أتَتْ لِصَوتِكَ [1] .
و إّنما حُذِفَتْ أسانيدُ هذه الأخبار لشُهرتها عِند رواة الحديث و لَئلا يَطولَ الكتاب.و من المشهور الذي لا يُجهَل أنَّ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أقام من يُصلي التراويح بالناس في ليالي رمضان و أمره أن يَقرأ في الركعة الواحدة نَحوًا من عشرين آية، فكان يَخْتِم القرآن في الشَهْر مرتين، و معلوم أنَّ ذلك لم يكن من المصحف الذي كَتَبَه زيد؛ لأنَّ المصاحف لم تنسخ منه حتى كان في خلافة عثمان فانتسخت المصاحف حينئذٍ، والناس قبل ذلك كانوا يقرؤون القرآنَ مِمَّا حَفِظُوه [2] .
... و من المعلوم الذي لا خَفاء به أنَّ النبي صلى الله عليه قد كان يؤِمُ أصحابه في الصلوات الخمس، لا يُخِل بذلك في سَفَر و لا حَضَر، يَقرأ في الرُكعتين من كل صلاة سورة سورة مع فاتحة الكتاب، و يُسْمِعُهُم ذلك بالغداة و العَشِيِّ، فماذا كان يُسْمِعُهُم -ليت شعري- إن كان [3] آيات القرآن متفرقة لم تُنْظَم السُور، حتى إنها نُظِمَت في أيام أبي بكر أو أيام عثمان ؟ بل بماذا كان يُقرِّعُ العرب حيث يقول الله: (فأتوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مثلِهِ مُفتَرياتٍ ) ]هود13 [وذلك مِمَّا نزل بمكة، ثم قال: (فَأتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ) ] البقرة23 [، و نزل ذلك بالمدينة و لو كان القرآن غيرَ مجموع لم يكن العباس بن عبد المطلب يَهتفُ يوم حنين، حيث انهزم القوم فيقول: يا أصحاب سورة البقرة و سورة آل عمران، إنّ هذا رسول الله صلى الله عليه، يستدعيهم بذلك اليه[4] .
(1) مقدمة كتاب المباني 30، دلائل النبوة 7/84،ينظر: فضائل القرآن لابن كثير 49.
(2) مقدمة كتاب المباني 31.
(3) في مقدمة كتاب المباني ص 27 (كانت) .
(4) مقدمة كتاب المباني 23.