فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 728

و كانت الصحابة -رحمة الله عليهم- يَقرَؤون بهذين النوعين و يُقرِؤونَ غَيرهم بِهما في أمصار المسلمين، على سبيل ما أقرأهم رسول الله صلى الله عليه من عهده الى زمن عثمان -رضي الله عنه، فانتشرت الحُروف، وكَثُرَت القِراءات على سَبيل ما ذَكرنا، فَلَّما كان زَمن عثمان تَلاقى أهل تلك الأمصار مع قُرّائها في بعض الغزوات، فقرأ قُرَّاء أهل كُلِّ مِصْرٍ منها على سبيل ما أخذوا من الصحابة فأنكر بعضهم على بعض ذلك الاختلاف، حتى تَبرّأ بَعضهم من قِراءة بَعض، و كَفَّر بَعضهم بَعضًا، فلمّا رَأى ذلك منهم مَنْ كان فيهم من الصحابة نَهَاهُم عن ذلك، فلَّما رَجعوا كَلَّمُوا في ذلك عثمان و سألوه أن يكتب للناس مصحفًا، و يجمع جميعهم عليه، و يُبطِلَ ما سِواه من المصاحف التي كُتِبَتْ قَبلُ، و كان ممِنَّ بدأ بذلك حذيفة بن اليمان، فأجابهم عثمان الى ذلك و أخرج المصحف الذي جمعه أبو بكر و عمر -رضي الله عنهما- على العرضة الاخيرة، ونَسَخَ منه مصاحف، و فَرَّقَها في الأمصار، وأمرَ بتَحريق ما سِواهُ من المصاحف التي كُتِبَت قَبل بإجماعِ من الصحابة على صِحَتِها، ثمَّ صَار الناسُ بعد ذلك يَقرؤن على سَبيل ما أقرأهم رَسول الله صلى الله عليه و أصحابه، مِمَّا لا يخالف الإمام مصحف عثمان -رضي الله عنه- من تلك الوُجوه، و تَركوا القراءة بما يُخالف رَسم كتابة منها فارتفع أحدُ النوعين و دَرَسَ، و هو الاختلافُ الذي كان بينهم في رَسم الخُطوط و إبدال كلمة مكان أُخرى بمعنى صاحبتها نحو ما تقدم ذِكْرُه، و إنْ كان ذلك حقًّا، و بَقي النَوع الآخر، و هو الاختلاف الذي كان بينهم في مَسموع الحروف و حركات بِناء الكَلمة بإتفاق الخطوط، و استقرَّ الأمر على ذلك، و لم يَزل يأخذُ هذا النوع الآخر الأصاغر عن الأكابر، و الخَلف عن السَلَف، من وَقتهم الى وَقتنا، و هي القِراءة التي نَقرَؤها نَحن اليوم، و هي داخلة في تلك السبعة التي سَهَّلَ الله -تعالى-

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت