فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 213

غير أن تكثيفية العتاب من جراء عبوس النبي في وجه ابن أم مكتوم، وتقليليته من جراء توجهه نحو صناديد قريش يفسره العرف الاجتماعي. ذلك أن الغني مهما قوبل بالمواجهة وبالإكبار فإنه لا يهتز ولا يتأثر، لأنه يملك المال والجاه والنفوذ في حين نجد الفقير يزداد تأثرًا وتحطمًا إذا قوبل بالإعراض [1] .

فإذا (أ،بـ) تشكّل ثنائية عتابية مكونة من سردين متعانقين تشغلهما نفسية الرسول (ص) ونفسية ابن أم مكتوم وهما عالمان نقيضان: نفس عاشقة ولهانة تتلهف للإيمان، وأخرى عبوسة صادة ترفض العميان.

ويلتقي السردان أربع مرات، ثلاثًا تتعلق بابن أم مكتوم وكيف أعرض عنه النبي. وواحدة تتعلق بتوجيه العناية إلى أعيان قريش.

وكأني بالسرد هنا يشبه ضريرا يحمل عصا يضرب بها ذات اليمين مرة، وذات الشمال أخرى. لأن العتاب اتخذ مسارا معاكسا.

نوضحه بهذا المخطط

والأسهم في اتجاهاتها، توضح السرد المعاكس. وكأن النبي وُجّهت له سلسلة من العتابات يمينًا وشمالًا.

إلا أن البنية السردية تتعقد بحيث تصير أحادية بعد أن كانت ثنائية، ويتغير الخطاب { كَلاّ إِنَّها تَذكِرةٌ فمنْ شاءَ ذكَرَه في صُحُفٍ مُكرمّةٍ مرفُوعةٍ مُطَهّرةٍ بأيدي سَفَرةٍ كرَامٍ بَرَرَةٍ } ليصبح قائمًا على التوجيه والنهي والعبرة والاعتبار.

وبهذا ينتهي السرد المشارك الأول الذي صنعته قصة ابن أم مكتوم مع الرسول (ص)

السرد المشارك الثاني: تصنعه آية { قُتِلَ الإِنسَانَ ما أكْفَرَهُ }

قبل شرحه يجمل بنا أن نذكّر بما قلناه سابقًا: يبدأ السرد المشارك الأول من أعلى إلى أسفل، العتاب تلو العتاب، التقريع تلو التقريع، ليصبح تصاعديًا، الأمر الذي يؤدي إلى السرد المشارك الثاني المجسد في آيتنا هذه.

(1) وفي هذا الشأن جاء الحديث القدسي"وحبي للفقير الكريم أشد. وبغضي للفقير المتكبر أشد". ولم هذا الحب والبغض المفرطان؟ لأنه فقير وكريم، ولأنه فقير ومتكبر ألا يدعو إلى الدهشة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت