فهرس الكتاب
ويمكن إدراج حذف أربعة مفعولات بقصدية إفهامية إشراكية، تفعّل ذهن القارئ وتنقله من عالم التلقي السالب، إلى عالم المفاعلة والإبداع والغور إلى ما وراء النص. يظهر هذا في قوله تعالى { وَجَدَ عَلَيْهِ أُمّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُوِنِهمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قالَتا لا نَسْقي حتَى يُصْدِرَ الرِعَاءُ.. فسَقَى لَهُمَا.. } .
وكان يمكن تصور العبارة كاملة دون حذف كما يشير إلى ذلك الجرجاني بقوله:"وجد عليه أمة من الناس يسقون أغنامهم أو مواشيهم، وامرأتين تذودان غنمهما، وقالتا لا نسقي غنمنا، فسقى لهما غنمهما" [1] .
فالقارئ -هنا- يشارك بفعالية لإضاءة الجوانب التي أخفاها السرد الإضماري وقد يذهب الذهن إلى وصف المشهد وإعطائه هالة وصفية تحيل على ديكور تدافع إليه الناس، الكل يسعى للانتهاء من السقي، وعلى هامش هذه الحركة وهذا التدفق الهائل الذي تصنعه الماشية والرعاء توجد امرأتان على مقربة من البئر، وهما في تلهف لقضاء حاجتهما من السقي، وهما في إبعاد مستمر لغنمهما، وهكذا. كل هذا غاب واستحضره الرصيد الذاكراتي للقارئ وهي الغاية المنشودة.
ولعل النص القرآني بتقنية الإضمار هذه يحاول أن يسمو بالقارئ، بأن يجعله قارئًا متجاوزًا مرتحلا، لا يكتفي بالجاهز بل يبحث عن التأويل والاستكشاف بغية الوصول إلى أعماق النص بل واستشراف آفاق جديدة مدسوسة في ثناياه.
وعسى أن يكون هذا ما جعل النص القرآني يتماس في كثير من الرؤى مع ما يسمى بالرواية الجديدة.
قائمة المصادر والمراجع
كتاب الله
... ... قرآن كريم: برواية ورش عن الإمام نافع- وحدة الرغاية- الجزائر- 1984.
كتب التفسير
-الزمخشري محمود جار الله: الكشاف - دار المعرفة - بيروت- لبنان.
-السيوطي جلال الدين: تفسير الجلالين- دار إحياء التراث العربي- بيروت لبنان.
(1) الجرجاني: جلائل الإعجاز ص182.