فهرس الكتاب
وفي سياق السرد الإضماري يشير حازم في منهاج البلغاء"إنما يحسن الحذف ما لم يشكل به المعنى لقوة الدلالة عليه، أو يقصد به تعديد أشياء فيكون في تعدادها طول وسآمة، فيحذف ويكتفي بدلالة الحال عليه" [1] . لأن المباشرة السردية ما هي إلا تعطيل لذهنية المتلقي وتجميدها لأن"التعبير الواضح لا يوحي بحقيقة التجربة، لأنه لا يقبض إلا على مظهرها الزائف" [2] .
وفي قوله تعالى: { وَلَقد جَاءَتْ رُسُلَنا إِبْرَاهِيمَ بالبُشْرَى قَالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ. فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعجْل حَنِيذٍ } [3] نموذجية أخرى للسرد الإضماري، بحيث يظهر واضحًا فيها.
فكلمة (حنيذ) من المقطع القصصي هذا ينضوي وراءها سرد طويل يمكن استحضاره، كأن نقول: الكرم شِمَة من شيّم الأنبياء، فبمجرد أن حلّ الضيوف على إبراهيم عليه السلام، بادر إلى إكرامهم باستقدام عجل سمين، قرّبه إليهم وحثهم على الأكل منه..
فكلمة (حنيذ) تشي بدلالات كثيرة كالجود ونوعيته والسرعة في تقديمه.
وعمومًا يترك أمر السرد الإضماري للقارئ ليستجليه ويشارك فيه، الأمر الذي جعله يتقاطع مع الرواية الجديدة في أبعادها النقدية التي تجعل القارئ مرتكزًا لها. لأن"الانبتار في الحديث في الأعمال السردية الحداثية، ولا سيما في الرواية الجديدة، من الأصول الفنية الواعية التي يراد بها إلى الدس للقارئ إلى إعمال فكره حين يقرأ" [4] .
ومثل هذا الكلام يقال في قوله تعالى { فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ } فكلمة (يترقب) توحي من أن موسى كان خائفًا مذعورًا يتلفت يمينًا وشمالًا، بين حركة وتوقف بين سرعة وتباطؤ.
(1) الزركشي: نفسه ص105-106.
(2) إليا حاوي: فن الوصف وتطوره في الشعر العربي- دار الكتاب اللبناني بيروت 1967- ص256.
(3) الآية 69 سورة هود.
(4) د. عبد الملك مرتاض ألف ليلة وليلة.. ص37