فهرس الكتاب

الصفحة 201 من 213

هذا النوع من الإضمارية يصدر عن النص القرآني بحيث أضحى يعاين الوقائع ويرصدها، ولكن ليس بالصورة التقليدية التي تعتمد على الحكي المباشر، بل يذكر جزءًا من السرد ويخفي الآخر، الأمر الذي يجعل ذهنية القارئ تنشط وتتحرك نحو الإبداع وذلك بالتفكير في إتمام السرد. فكأن النص ذا السرد الإضماري تدمير لقواعد الحكيّ الموروثة عن الأعمال السردية المشهورة.

إن صور إضمار كلمة أو عبارة، يشيع كثيرا في القرآن، من ذلك قوله تعالى { حَتَى إِذَا جَاءُوَها وفُتِحَتْ أَبْوَابُها وقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلاَمٌ عَلَيْكُم } [1] بحيث"جعل الحذف دليلا على ضيق الكلام عن وصف ما يشاهد، وتركت النفوس تقدر ما شأنه" [2] .

إن المضمر -هنا- جواب الشرط غير الجازم، ولعله يتمثل في أن الجنة لما فتحت أبوابها دخلها المؤمنون فأدهشهم المشهود من أشجار وثمار وأنهار وحور عين وغيرها.. وما لم يخطر على قلوبهم.

غير أن الإضمار هنا مقصود بغية تحقيق المتعة عند القارئ، وذلك بما يشي به النص المفتوح على الإفضائية، وبما للقارئ من قدرة على تذوق النص القرآني والمشارك في تتبعه وإتمام سرديته. وهو عمل ألفيناه حاضرا في القصة والرواية. من ذلك وجدنا"دوس باسوس الأمريكي في حذفه كثير من الأحداث الهامة تاركا للقارئ استنتاجها والنفوذ إلى أهدافه من وراء إضمارها على هذا النحو" [3] .

وعسى أن يكون القصد من وراء هذا الإضمار، هو تحقيق الشراكة المرغوبة جدًّا بين النص وبين المتلقي.

فالسرد الإضماري - في حقيقته- استحضار للحالة الشعورية لدى القارئ، وهو بهذه الصورة يعتبر سردًا (إيروسيا) أي نصًا مثيرًا للمتعة والفضول بحيث يفتح شهية الاستكشاف والمساءلة والافتراض. إنه سرد يسعى إلى تأسيس رؤية نقدية تتحسس تموضع القارئ.

(1) الآية 73 السورة الزمر.

(2) الزركشي: البرهان في علوم القرآن -ج3-ص106.

(3) غنيمي هلال: النقد الأدبي الحديث - ص552

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت