وإذا كان ابن أبي شيبة قد روى من طريق ابن عمر أنَّه قال:"الأذان الأوَّل يوم الجمعة بدعة"؛ فإنَّ هذا لا يصلحُ دليلًا للمانعين، أو سندًا لهم، يعتمدون عليه؛ لأنَّه لم يثبت عن ابن عمر أنَّه قال ذلك على سبيلِ الإنْكار، وإنَّما كلام ابن عمر - رضي الله عنهما:
يحتملُ أنْ يكون قد صدر منه على سبيل الإنكار، كما يحتمل أنَّه يريد بذلك أن هذا الأذان لم يكن في زمن النَّبي - صلَّى الله عليه وسَلَّم - وكل ما لم يكن في زمنه - عليه الصلاة والسلام - يسمَّى بدعة.
وإذا كان الناس لا يقتدون بعثمان - رضي الله عنه - الذي تبعه صحابة رسول الله - صلَّى الله عليه وسَلَّم - ولم يخالفوه في ذلك، فبمن يقتدون؟
إن بعض هؤلاء المخالفين قد يدَّعي أنَّه يتبع رسول الله - صلَّى الله عليه وسَلَّم - وهذا حق أريد به باطل، فلو أنَّهم أرادوا فعلًا اتِّباع رسول الله - صلَّى الله عليه وسَلَّم - لساروا على نَهج صحابته من بعده، ولكنَّهم يُخالفون جماعة المسلمين؛ ليلفتوا الأنظار إليهم، ويصفوا أنفسهم بالاتباع، ويصموا غيرهم بالابتداع، وهكذا يتبيَّن لنا بوضوح: أنَّ عثمان - رضوان الله عليه - قد أحدث الأذان الأوَّل؛ لإعلام الناس بدخول وقت الصلاة؛ قياسًا على بقيَّة الصَّلوات، وإلحاق الجمعة بها، وأبقى خصوصيتها بالأذان بين يدي الخطيب؛ (فتح الباري) .
وبالتالي تشترك صلاةُ الجمعة مع بقيَّة الصلوات المفروضة في الأذان الأوَّل الذي يعلم الناس بدخول الوقت، ثُم تنفرد صلاة الجمعة بالخصوصية التي أثبتها النبي - صلَّى الله عليه وسَلَّم - لها، وهي الأذان بين يدي الخطيب أثناء جلوسه على المنبر.
وفَّقنا الله لما يُحبُّه ويرضاه، والله الموفق والمعين، والهادي إلى سواء السبيل.
المصدر
موقع الألوكة