فهرس الكتاب
على أن الإسراء إلى بيت المقدس إنما كان مقدمة للمعراج، وطريقًا إليه، على القول بأنهما كانا في ليلة واحدة. قد يكون حينئذٍ من الجائز المناسب المعهود أن يذكر الإسراء دون المعراج، لأنه إذا ذكر الإسراء علم أنه يعني به ما بعده. ومن أجل ذلك يذكر كثير من المؤلفين المعراج في باب الإسراء. والقرآن يقول ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا ) وهذه الآيات فيما يبدو ، ولمن فكر جيدًا ، هي الآيات التي رآها في المعراج . فأشار إلى المعراج بما وقع فيه من الآيات والعجائب . وليس بلازم ذكره نصًا . ثم إن المعراج قد ذكر في سورة النجم كما تقدم . فذكر الإسراء في سورة ، وذكر المعراج في سورة أخرى , وما في هذا شيء من الغرابة .
وأما قولهم: إن الأحاديث متخالفة . فنقول: إن الاختلاف لم يقع في أصل المعراج . فإن الروايات كلها مجتمعة على وقوع المعراج ، وإنما كان بعض الاختلاف في بعض صفاته وهيئاته ، كما ذكرنا . وقد قدمنا في أحاديث انشقاق القمر وأحاديث الدجال أن كل أمر عظيم ذي بال لا بد أن يقع في صفته وهيئته وشكله اختلاف ، وأنه على قدر عظمه يكون الاختلاف في ذلك . ولكن ذلك الاختلاف لا يقدح في وجود ذلك الأمر الذي اختلف في صفاته يقينًا . وقدمنا هنالك أن الاختلاف قد وقع في صفات الرسول ، والملائكة ، والجنة ، والنار ، وفي الحساب والعقاب ، وفي أعمال الرسول عليه السلام ، وفي سائر عظماء التاريخ ، ولم يدل هذا على أن هؤلاء لم يوجدوا عند أحد من خلق الله . فكذلك أحاديث المعراج لا يدل الاختلاف في بعض صفات المعراج على أن المعراج لم يقع . وهذا ضروري .