الصفحة 158 من 186

ونحن هنا لا نتعرض للتوفيق بين الروايات نفسها . فإن ذلك ليس مما قصدنا له في هذا الباب . على أن من حاول أن يجمع بين الروايات كلها في المسائل الكبيرة كالمعراج ، والدجال ، وأحوال الساعة فقد حاول محالا في رأينا . إذ لا بد أن يكثر الدخيل في ذلك لكثرة التحديث به ، وكثرة روايته ولاشتهاره والعناية به .

وأما قولهم: إنه وقع في أخبار المعراج أشياء لا يمكن أن تكون صحيحة ، فلا يمكن أن تكون الأخبار إذًا صحيحة . فنقول: هذه الأشياء المذكورة إما أن تكون محالة الحصول ، كانت أخبارها هي الكذب فقط دون أخبار المعراج . ولا مانع أن يقع في الحادثة الواحدة صدق وكذب ، ومحال وجائز ، فيكذب الكذب والمحال ، ويصدق الصدق والجائز . وذلك كالأخبار عن حاتم الطائي بالكرم ، وعن عنترة بالشجاعة وعن قيس بن الملوح بالعشق . فإن الأخبار عنهم بما اشتهروا به جمعت صدقًا وكذبًا ، ومحالا وجائزًا . ولكن كذبها لا يقضي بأن يكون صدقها كذبًا ، وصدقها لا يقضي بأن يكون كذبها صدقًا . فالأخبار عن حاتم بالجود متواترة ، ولكن دخلها مبالغات لا يقبلها العقل ، ولكن يصدق مطلق الجود له ، وكذلك الأخبار عن عنترة بن شداد بأنه شجاع متواترة ، ولكن دخلها مبالغات لا يصدقها العقل ، ولكن يصدق مطلق الشجاعة له . وكذلك الأخبار عن قيس بن الملوح متواترة بأنه كان عاشقا ، ولكن دخلها مبالغات لا يصدقها العقل ، ولكن يصدق مطلق العشق له . وكذلك حصل في أخبار جميع الرجال المشهورين ، وفي الأحداث الكبيرة . فوقع فيها مبالغات لا تصدق . وقد وقع ذلك في معجزات الأنبياء وكرامات أتباعهم ، وفي أخبار الجنة والنار وما بعد الموت ، وهذا لا يقدح في الحق منه . ومثله أخبار المعراج إذا افترضنا أنه وقع فيها ما لا يكون وجب رده هو دون أصل المعراج . وهذا واضح . هذا على الفرض الأول . وأما إن افترضنا أن الأشياء المذكورة غير محال حصولها بطلت الشبهة رأسًا . فهذه الشبهة لا تقدح في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت