فهرس الكتاب
وأما الرواية الثانية ، وهي"النيل والفرات وسيحان وجيحان من الجنة"فالمعنى المختار أن يكون المراد أن الله أنزلهن من الجنة قديمًا ـ بعد أن كن فيها ـ لمنفعة الناس ، وجعلهن في أماكنهن الآن من الأرض . وقد يشهد لذلك قوله تعالى ( وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض . وإنا على ذهاب به لقادرون ) وقوله ( أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ) وقد كان آدم وزوجه في الجنة فأخرجا منها وأهبطا الأرض وكان الشيطان فيها فطرد منها . فكذلك الأنهار المذكورة . ولتعلم أن الرواية لم تقل إن الأنهار في الجنة ، بل قالت من الجنة . ولا يخفى عليك ما في العبارتين من الفرق . فالعبارة الأولى قد تدل على أنهن موجودات في الجنة . وأما الأخرى فتكاد تصرح بخلاف ذلك .
وثم رأى ثان في الرواية الأخيرة . وهو أن هذه الأنهار سوف تكون في الجنة ، وسوف تكون من شراب أهلها ، وسوف يدخلهن الله فيها بعد أن يكملهن ويزيدهن حلاوة وعذوبة كما يفعل بالمؤمنين . هذا ما يتحمله هذان الحديثان من البيان الآن .
الحر من فيح جهنم
تكاثرت الأخبار في الصحاح وغيرها عن رسول الله عليه السلام أنه قال"إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم"، وقال"اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا ربي أكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف ، أشد ما تجدون من الحر ، وأشد ما تجدون من الزمهرير".
وقد أشكلت هذه الأحاديث أيضًا . فإن ظاهرها أن الحرارة التي نحسها في الصيف ، والبرودة التي نحسها في الشتاء صادرتان من النار . وهذا يكاد يكون بطلانه من قسم الضرورة . فإن الحرارة والبرودة ناتجتان من موقف الشمس من الأرض لا من جهنم . وهذا مما لا ينازع فيه أحد من العقلاء .