الصفحة 90 من 186

وهذه الأقوال كلها ضعيفة كما ترى ، لا تأنس بها النفس ، المؤمنة ولا الجاحدة ، وإنما الرأي الراجح الصحيح أن نقول: أما الحديث الأول فهو آت على سبيل التمثيل . فقد مثل له - صلى الله عليه وسلم - النيل والفرات هنالك تمثيلًا ، كما مثلت له الجنة والنار في عرض الحائط وهو قائم يصلي ، حتى تقهقر وراءه لما رأى النار ، وتقدم أمامه لما رأى الجنة ليأخذ عنقودًا ، وحتى رأى أناسًا يعذبون في النار ، وكما مثل له عيسى بن مريم والمسيح الدجال ، أحدهما يتبع الثاني ، وكما مثل له موسى عليه السلام وهو راكب حاجًا ينحدر من الوادي ، وكما عرضت عليه الأمم أمة أمة ، فرأى سودًا سادًا الأفق ، فقيل له: هؤلاء قوم موسى ، وكما زويت له الأرض فرأى

مشارقها ومغاربها ، وكما رأى عمرو بن لحي يجر قصبة في النار ، ورأى المرأة التي عذبت الهرة بالحبس حتى ماتت . وقد رأى ليلة المعراج الأنبياء في السماء ، بعد أن صلى بهم إمامًا في بيت المقدس ، وبعد أن رأى موسى يصلي في قبره ، وكذلك رأى نسمات الكافرين والمؤمنين عن يمين آدم وشماله في السماء . وقد رأى غير ذلك . وقد ذهبت طوائف من العلماء إلى أن ذلك كله على سبيل التمثيل والتصوير . فكذلك حديث النيل والفرات . مثلا له عليه السلام في السماء قرب سدرة المنتهى فرآهما . فهذا الرأي يساير الحس والعقل والشرع واللغة ، ولا يخالف منها واحدًا . فلزم حمل الخبر عليه . ولا مندوحة عنه. ولله سر في تمثيل هذين النهرين له عليه السلام في تلك الليلة العظيمة ، في تلك البقعة المباركة ، وهو أن يكون رمزًا وإشارة إلى أن الله سوف يفتحهما على أمته ، ويجعلهما تحت سلطان شريعته ، لأنه قد علاهما وتجاوزهما ارتفاعًا ، وصارا تحت ذاته الشريفة ، وفي ذلك ما فيه من البشرى له ماديًا ومعنويًا . هذا معنى الرواية الأولى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت