فهرس الكتاب
وثم رأي ثان في الحديث ، وهو أن يقال: حرارة الصيف من الشمس ، وحرارة الشمس مكتسبة من النار وآتية لها منها ، فالحرارة آتية أصالة من النار . أو يقال: ما الشمس إلا شرارة من شرر النار ، إنقذفت منها ووقفت كما هي الآن لمصالح العباد .
هذه أمور ثلاثة في الحديث لا نرى عائقًا من أن تكون تفسيرًا له . وبها يزول ما في الخبر من إشكال .
الحمى من فيح جهنم
ومثل هذا الحديث قوله - صلى الله عليه وسلم -"الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء"رواه البخاري ومسلم .
الحمى حرارة تتولد في الجسم إذا أصيب فيه أحد مراكز التدبير بسميات المكروبات ، أو بآلام أخرى شديدة . فإنها إذا أصيبت بذلك فسدت حركتها ونظامها ، فتولدت الحرارة المسماة بالحمى . هذا أمر لا شك فيه . ولكن ظاهر الحديث خلافه . فإنه ربما دل أن حرارة الحمى آتية من لهب النار المعدة للكافرين .
فقالت طائفة: إن في الكلام تشبيهًا . والمراد أن حرارة الحمى كحرارة جهنم في الإيلام والإيجاع . وفي هذا القول ما في القول الأول على الحديث السابق من الضعف .
والرأي الصحيح أن نقول: إن حقيقة الحمى ـ كما ذكرنا ـ تتولد في الجسم لإصابة مركز من مراكز التدبير فيه . غير أن الحرارة المتولدة بذلك هي من جهنم رأسًا . أي إن الله أخرج من النار جزءًا يسيرًا ونثره في الأرض يصيب به بعض خلقه إذا ما توفرت أسباب الإصابة . وأسبابها القريبة هي ما يذكره أهل الطب . ولكن الحديث تكلم فيه من جهة منشئه
ومبتدئه . ولا مانع أن يكون من غيرها . فإذا ما جاء الخبر الصادق بأن ذلك من النار لزم القول به .