الصفحة 44 من 95

(د) وفصل الكلام الذي يقطع قول كل مدع في هذا الباب أن هذا القرآن لو كان من كلام محمد -صلى الله عليه وسلم- لحرص على إثباته لنفسه، ولما تبرأ من كونه قائله، بل كان يرى في نسبته إليه عزا وشرفًا، وطريقًا للسيادة إن كان يرومها.

ولفضيلة الدكتور محمد عبد الله دراز رحمه الله تعالى - في بيان ذلك - كلام نفيس، نحرص على إثباته بلفظه؛ لما فيه: من وضوح الفكرة، ونصاعة الحجة، وبلاغة العبارة، قال رحمه الله تعالى: (( القرآن صريح في أنه لا صنعة فيه لمحمد-صلى الله عليه وسلم- ولا لأحد من الخلق، وإنما هو منَزل من عند الله بلفظه ومعناه. والعجب أن يبقى بعض الناس في حاجة إلى الاستدلال على الشطر الأول من هذه المسألة، وهو أنه ليس من عند محمد.

في الحق إن هذه القضية لو وجدت قاضيًا يقضي بالعدل لاكتفى بسماع هذه الشهادة التي جاءت بلسان صاحبها على نفسه، ولم يطلب وراءها شهادة شاهد آخر من العقل أو النقل، وذلك أنها ليست من جنس الدعاوى فتحتاج إلى بينة، وإنما هي من نوع الإقرار الذي يؤخذ به صاحبه، ولا يتوقف صديق ولا عدو في قبوله منه، فأي مصلحة للعاقل الذي يدعي لنفسه حق الزعامة، ويتحدى الناس بالأعاجيب والمعجزات لتأييد تلك الزعامة؟ نقول: أي مصلحة له في أن ينسب بضاعته لغيره، وينسلخ منها انسلاخًا؟ على حين أنه كان يستطيع أن ينتحلها فيزداد بها رفعة وفخامة شأن، ولو انتحلها ما وجد من البشر أحدًا يعارضه ويزعمها لنفسه.

الذي نعرفه أن كثيرًا من الأدباء يسطون على آثار غيرهم فيسرقونها، أو يسرقون منها ما خف حمله وغلت قيمته وأُمِنَت تهمته، حتى إن منهم من ينبش قبور الموتى، ويلبس من أكفانهم ويخرج على قومه في زينة من تلك الأثواب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت