فهرس الكتاب
تلك حكاية الرجل الصياد كما ظل يحكيها باستمرار.. وفي البحر تسافر يا موحا الحلاق بعيدًا.. لطالما كان الناس يرونك تحمل منظارًا مقربًا وتصعد على الربوة العالية التي يتكسر تحتها الموج الأبيض.. هناك فوق أعلى صخرة فيها تجلس متجهًا نحو الغرب.. يكون ذلك عادة قبيل الغروب.. الشمس نازلة حمراء تشع في هدوء فوق الجبال وفوق صفحة البحر الهادئة تجللها العظمة.. تنسى نفسك وتعيش هناك.. هم هناك.. ترى كيف يعيشون؟ ماذا يحسون؟ كيف يقضون أوقاتهم؟ هل تغيروا أم ما زالوا مثلما كانوا؟ هل مات بعضهم أم ما زالوا جميعهم أحياء، ما باليد حيلة، حاولت مرارًا أن تجتاز الحدود إليهم، لكن هيهات.. فلم يبق إذن إلا البحر طريقًا.. البحر لا حدود به، البحر ماء أزرق واسع.. نعم أنت تعرف.. حكى لك أحد يوما.. هو من رجال حرس الحدود كان يقصد دكانك باستمرار ليحلق ذقنه، وكان الموضوع يؤرقك، حدثك عن الحدود ومشاكلها فقلت له:
-كيف يمكن أن يضعوا حدودًا في البحر؟؟
وأكد لك أن البحر أيضًا قسموه.. وسألته:
-وهل تعتقد ألا أحد يجتاز حدود البحر؟
فرد بأن هنالك بالفعل من يجتازون حدود البحر.. الرجل كان يتحدث في بساطة، لم ينتبه لما كنت أنت تفكر فيه، وأضاف:
-ولكن هناك من قبض عليه ومن رمته الأمواج إلى الشاطئ بعد ضياعه أيامًا، معظم هؤلاء كانوا يغامرون من أجل تهريب الحشيش أو الذهب أو أمور أخرى أثمانها غالية أيضًا.
أما أنا فلي مع البحر حكايات.. أنا لن أغرق.. كنت تفكر في نفسك.. وظلت الفكرة تكبر وتتضخم.. لي هنالك أحباب وأصحاب ينتظرون.. الشاطئ الواحد يجمعنا.. لو جاء غريب -مثلًا- عن هذه الجهة فإنه لا يمكن أبدًا أن يتصور أن هنالك حدودًا تفصل بين بيوت وبيوت أخرى.. في الصيف هم هنالك يعومون في الشاطئ وينامون على الرمل.. ونحن هنا أيضًا.. الشاطئ نفسه والرمل نفسه.. في الماضي كنا نعوم معًا.. نمرح ونجري على رمل الشاطئ، لم نكن أبدًا نتصور أن هذا الشاطئ يمكن أن يصبح شاطئين اثنين.. لو كانت لي أجنحة لحلقت بعيدًا في أعالي السماء وطرت إليهم فوق اليابسة أو فوق البحر...