فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 70

ولكن لا أجنحة لي.. وإذن لم يبق إلا الليل والبحر.. الليل جميل يخفي الأشياء عن الأعين المتلصصة، والبحر صديق واسع الصدر جميل رائع، فلماذا لا أصطحبه في رحلة مغامرة. السباحة أحسنها كما أحسن فن الغوص بعيدًا في الأعماق.. والشوق يؤرقني باستمرار.. حكى بعض حراس الحدود قال: في ذلك المساء وهو يعني المساء نفسه الذي حكى عنه الصياد، حكى بأنهم كانوا على الشاطئ في أحد قوارب الحراسة عندما رأوا بالمنظار المكبر، وبالأضواء الكاشفة كأن شيئًا، ربما هي سمكة أو حيوان بحري ما، أو إنسان، ولا ندري.. كان يظهر أحيانًا ثم يختفي على بعد حوالي كيلو مترين من الشاطئ.. رأوا ذلك لحظاتٍ ثم اختفى.. يقول حارس الحدود: أقلعنا بسرعة في اتجاه ذلك الشيء، ووصلنا إلى المنطقة التي قدرنا أننا رأيناه فيها، أوقفنا القارب وسلطنا الأضواء في كل الجهات، بقينا كذلك عدة دقائق نحاول أن نعثر له على أثر، ولكن بدون فائدة..

كان الأمل وكان الشوق، وكنت آنذاك وأنت ترى القارب يدنو منك تغطس تحت الماء وتمضي بعيدًا.. كنت تحاول أن تلتهم البحر التهامًا.. على بعد خطوات فقط يمدون لك أيديهم.. يشجعونك على المواصلة، كانوا يبتسمون لك.. وكانت الدموع تجري من أعينهم.. وتصعد فوق سطح الماء.. تتنفس في عجلة.. ثم لا تلبث أن تغيبك الأعماق.. في الأعماق نجاة.. في الأعماق دنيا واسعة وجميلة.. تواصل، وتواصل، ثم تصعد إلى سطح الماء.. لا قارب تجد ولا أضواء.. الليل وحده.. سواد الليل وسواد البحر.. وفي خضم الإرهاق تحاول أن تمد النظر بعيدًا، تبحث عن نجمة عن قمر ما عن نور.. لكن لا شيء من ذلك كله... وبيديك ورجليك تخبط في اتجاهات مختلفة.. لكنك لا تعرف هل أنت تتقدم أو تتأخر.. وتظل تدور وتدور.. يزداد الليل سوادًا، وتحس مفاصلك تتقطع إرهاقًا.. تتخدر، تترك جسمك ينزل تحت الماء قليلًا.. تصعد تتنفس ثم تنزل.. تصعد.. تنزل.. وتراهم.. ها هم تمتد نحوك أيديهم مفتوحة.. يقفون.. يهللون.. يبتسمون.. تصل إليهم.. تلامسهم.. تندمج فيهم.. وتغيب..

ورماك الموج إلى الشاطئ في الجهة الأخرى بعد يومين طوفت خلالهما فوق المياه الزرقاء، كان المساء، وكانت الشمس تنزل نحو صفحة البحر التي تحولت إلى لون قريب من الصفرة.. كنت تنام فوق الرمل هادئًا وجميلًا..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت